3 -وأن تطبع في آخر الأمر الأوراق النقدية بقدر حاجتها وهي في حقيقة أمره صورة من صور اقتراض الحكومة من الناس أموالهم ولكن ليس طبع الأوراق النقدية إلا آخر وسيلة تتذرع بها الحكومة لسد حاجاتها الشديدة، لأن ذلك مما له سيئات ومستقبحات كثيرة.
(د) للحاجات الدولية: أما القروض الدولية، فالظاهر في أمرها أن لا نكاد نرجو في هذه الدنيا الربوية الحاضرة، أن ننال من خارج بلادنا فلسًا واحدًا قرضًا بدون الربا، فمما يجب علينا من هذه الناحية أن نبذل كل ما في وسعنا لألاّ نستقرض من الشعوب والحكومات الخارجية شيئًا، لا نستقرضها على الأقل ما دمنا لا نمثل لغيرنا فعلًا كيف لأمة أن تقدم إلى جاراتها قرضًا بدون الربا. وإني على مثل اليقين أن كل من نظر نظرة في البحث الذي سقناه في الفصل السابق من هذا الكتاب، لا يتردد في الاعتراف بأننا إذا كشفنا مرة عن ساق جدنا وأقمنا في بلادنا نظامًا للمالية صالحًا قائمًا على أساس إلغاء الربا وتنظيم أموال الزكاة، فلن تلبث حالتنا الاقتصادية أن تتحسن بسرعة مدهشة ولن يقف الأمر عند ألا نعود بحاجة إلى اقتراض غيرنا من الخارج فحسب بل سيفضي كذلك إلى أن نقرض بدون الربا ما حولنا من الأمم المعوزة. ولعمر الحق أن اليوم الذي سنقدم فيه إلى الدنيا هذا النموذج الصالح للمالية يكون يقوم الانقلاب المدهش في تاريخ العصر الحاضر لا من الناحية المالية والاقتصادي فحسب، بل من الناحية السياسية والمدنية والمعنوية أيضًا، ويكون من الممكن آنئذ أن تتم جميع المعاملات المالية بيننا وبين الأمم الأخرى على أساس غير ربوي. وتنعقد بين مختلف أمم الأرض -تدرجًا- اتفاقاتا مؤداها ألا تتعامل في ما بينها بالربا في المستقبل. بل لا أرى بعيدًا ذلك اليوم الذي سيتفق فيه الرأي الدولي العام ويبدي سخطه واشمئزازه من المراباة كما قد أبدى سخطه في أمر اتفاقية برتين وودس ( Bretton Woods) في انكلترا سنة 1945م وإني لا أقول كل ذلك ملقيًا الكلام على غاربه، بل الحقيقة أن الدنيا فيها اليوم كثير من العقول المفكرة تفكر بجد في ما يترتب على سياسة الدنيا واقتصادها من الآثار الخاطئة لفرض الربا في القروض الدولية. ولكن إذا بذلت البلاد الراقية المترفهة جهودها عن صدق وإخلاص في مساعدة البلاد المختلفة وجعلها قادرة على النهوض والتقدم بوسائلها، فلا بد أن يرجع ذلك بفوائد جمة من الوجهة المالية والاقتصادية ومن الوجهة السياسية والمدنية معًا فتتصل الأمم في ما بينها بأواصر الحب والإخلاص والتعاون مكان أن يشتد بينها التباغض والتطاحن الدولي من الوجهة السياسية والمدنية ويكون التعامل مع قطر مترفه أنفع وأجدى من استنزاف الدم من جسد قطر مفلس من الوجهة المالية والاقتصادية. إن الدنيا لا يقل فيها اليوم عدد الذين يعرفون مثل هذه الحكم والحقائق ويفكرون فيها ويعلمونها، ولكن تعوذها أمة حكيمة تسابق سائر أمم الأرض إلى إلغاء نظام الربا في بلادها وتقدم فعلًا على تطهير التعامل الدولي من هذه اللعنة التي هي بدون ريب وصمة عار في جبين الإنسانية في العصر الحاضر، عصر اليقظة والنور كما يقال.
(هـ) للأغراض المثمرة: وانظر الآن نظرة فيما ستكون عليه مالية التجار وأصحاب الأموال في النظام الجديد الذي قد فصلنا فيه القول آنفًا. إن هذا النظام سيلغى فيه على عقب إلغاء نظام الربا، الباب الذي يلج فيه الناس اليوم ويأمنون من بذل الجهود والوقوع في الخطر. وذلك أنهم يقرضون مالهم رجلًا يستغله في تجارة أو صناعة ويضمن لهم ربحًا ماليًا معينًا على كل حال، ثم إن نظام الزكاة في نظامنا الجديد سيحرم على الناس أن يمسكوا أموالهم ويتركوها متكدسة في صناديقهم. وكذلك لن يعود باب التبذير والانفاق في الشهوات مفتوحًا في وجه الناس في دولة إسلامية حقيقية ولن يسيل إليه ما يفضل