من المصارف لحاجاتهم التجارية. إذن وكيف للمصارف أن تقدم إليهم القروض وتفتح لهم الاعتمادات وتنقل إلى حساباتهم مبلغ الحوالات إذا لم يكن بها طمع في الربا؟ ولكن السؤال الذي ينشأ طبعًا بهذا الصدد هو أن المصارف إذا كانت تبقى عندها ودائع الناس بل ودائع الناس بل وودائع هؤلاء التجار أنفسهم بدون شيء من الفائدة، فما لها لا تقرضهم وتفتح لهم الاعتمادات وتنقل إلى حساباتهم مبلغ الحوالات بدون شيء من الربا وهي -أي المصارف- لا تكون أكثر من الوسيط في هذه العملية كلها؟ وإذا أبت المصارف أن تقوم بكل ذلك طوعًا، أجبرت بحكم القانون على إعداد هذه السهولة لزبائنها.
من الممكن أن تكون ودائع التجار أنفسهم كافية لأغراضهم هذه، ولكن لا بأس بأن تستعمل لها المصارف عند الحاجة شيئًا من أموالها الأخرى أيضًا. ومن الصحيح اللازم مبدئيًا أن الذي لا يتناول الربا -أو الفائدة كما يقال- لا يؤدي الربا. ومما يفيد من ناحية الاقتصاد الاجتماعي أن يبقى التجار ينالون القروض لأغراضهم وحاجاتهم التجارية التي تعرض لهم دائمًا بين يوم وآخر.
ولسائل أن يسأل في هذا المقام أنّى للمصارف إذا بدأت لا تنال الربا في ما تقوم به من الأعمال والخدمات، أن تستوفي تكاليفها؟ فالجواب على ذلك أن المصارف إذا كانت تنال أموال الحسابات الجارية وتبقى عندها بدون شيء من الربا، لا يضرها في شيء أن تقدم منها قروضًا قصيرة الأجل للتجار، لأن التكاليف اليسيرة التي تتحملها المصارف في حساب هذه القروض وقيدها في الدواوين، تستوفي أكثر منها من الأموال التي تبقى عندها بصورة الودائع. غير أنه إذا صعب واستحال العمل بهذا الطريق، فلا بأس البتة بأن تلزم المصارف زبائنها من التجار أن يؤدوا إليها بعد كل شهر أو ستة أشهر أو سنة أجرة معلومة من المال توفّي لها تكاليف حسابات القروض وقيدها. ولأن هذه الأجرة تكون أرخص للتجار من الربا، لا يلبثون أن يؤدوها إليها بكل رضا وطمأنينة.
(ج) لحاجات الحكومات غير المثمرة: والقروض المهمة الثالثة هي القروض التي تحتاج إليها الحكومات عند الطوارئ حينًا ولحاجات البلاد غير المثمرة أو للحرب حينًا آخر. لا يحصل المال لهذه الأغراض كلها في النظام الحاضر للمالية إلا بالقرض بل بالقرض الربوي وحده ولكن من الممكن حقًا في نظام الإسلام المالي أن يأتي الناس -أفرادًا وجماعات ومؤسسات تجارية- بأموالهم الكبيرة ويكتتبوا بها للحكومة بمجرد طلبها المعونة منهم لقضاء حاجة من حاجاتها، لأن إلغاء الربا وتنظيم أموال الزكاة يرفهانهم ويطمئنانهم ويؤثقانهم بالحكومة فلا يتلكؤون أبدًا في أن يقدموا أموالهم المدخرة متطوعين. وأما إذا لم تجد الحكومة بعد كل ذلك مقدارًا من المال يفي بحاجتها فلها أن تطلب من أهالي البلاد القروض، ولا بد أن يقدموا إليها القروض الحسنة بقلوب مفتحة عن كل سعة. وإذا بقيت الحكومة حتى بعد كل ذلك تجد أموالها غير كافية لحاجتها، فلها أن تستعين بالوسائل الآتية:
1 -أن تستعمل ما عندها من أموال الزكاة والخمس.
2 -وأن تأمر ما في بلادها من المصارف بإقراضها جزءًا مخصوصًا مما عندها من ودائع الناس، وذلك ما لا يقل فيه حق الحكومة عن حقها في طلب الخدمة العسكرية الإجبارية من أهالي البلاد، ووضع اليد على بيوت الأهالي وسياراتهم عند الحاجة في الطوارئ.