بصفة خاصة في هذا الشأن أن بيت مال الحكومة هو آخر باب يطرق للاستمداد في مثل هذه الأغراض، فإن أفراد المجتمع من واجبهم أنفسهم بموجب وجهة نظر الإسلام أن يتداينوا بينهم في حاجاتهم الشخصية، لأن المقياس الحقيقي لصحة مجتمع من المجتمعات أن يكون أفراده على شعور بمثل هذه التبعات الخلقية على أنفسهم ولا يتردّدوا في القيام بها. فإذا وجد رجل لا ينال القرض من أحد في حارته أو قريته ولا يجد لنفسه بدًا من القصد إلى بيت المال للاستقراض، فإنما يدل ذلك دلالة واضحة على أن الجو الخلقي قد فسد في تلك الحارة أو القرية. ومن ثم إن بيت المال إذا ما بلغته قضية كهذه، فإنه لا يسارع إلى قضاء حاجة المستقرض وحسب، بل لا يلبث أن يشعر قسم المحافظة على صحة الأهالي الخلقية بوقوع هذه الفاجعة، وهو لا يلبث بدوره أن يتوجه إلى تلك الحارة أو القرية المريضة ويبذل أقصى عنايته بعلاجها. والحق أن وقوع حادث مثل هذا لا يُحدِث في مجتمع معنوي صالح إلا مثل ما يحدثه حادث للهيضة أو الطاعون في النظام المادي الراهن من القلق والاضطراب.
ومن الممكن أن توجد في النظام الإسلامي صورة أخرى لتهيئة القروض للحاجات الشخصية؛ وهي أن يكون من حق العمال والموظفين بموجب القانون على شركاتهم ومؤسساتهم التجارية أن ينالوا منها القروض عند حاجاتهم غير العادية وأن تعترف الحكومة أيضًا بهذا الحق لموظفيها وتؤديه بكل سخاء وسعة صدر وهذه القصية ليست لها وجهتها الخلقية فحسب، بل لها، كذلك، أهمية اقتصادية وسياسية بالغة لا تقل عن أهميتها الخلقية، لأنكم إذا أعددتم لعمالكم وموظفيكم السهولة في نيل القروض الحسنة منكم، فإنكم لا تأتون بحسنة من الحسنات الخلقية فحسب، بل تزيلون سببًا كبيرًا يبتلي عمالكم وموظفيكم الهموم والقلق والضيق والألم الجسدي والتيار المادي. احفظوهم من هذه المصائب تضمن لكم طمأنينتهم ورفاهيتهم بالزيادة في طاقتهم العملية وابتعادهم عن الفلسفات المثيرة للفساد. نعم، قد لا يكون لهذا كله ربح مادي بحكم ديوان حسابات المرابي؛ ولكن لا يكاد يخفي على كل من أوتي نصيبًا من العقل والبصيرة أن ربحه للمجتمع من حيث مجموعه ولكل رأسمالي وصاحب معمل ولكل مؤسسة اقتصادية وسياسية أكثر وأغلى بكثير من الربا الذي يتقاضى اليوم في النظام المادي لا على أساس شيء غير الحماقة وضيق النظر.
ب- للأغراض التجارية: ولنتناول الآن بالبحث القروض التي يحتاج إليها التجار وغيرهم لأغراضهم التجارية بين يوم وآخر إن التجار في الزمن الحاضر إما أن يأخذوا من المصارف قروضًا قصيرة الأجل، وإما أن يسحبوا منها مبلغ الحوالات [1] لهذه الأغراض، وفي كلتا الصورتين تستوفي المصارف الربا حسب سعر معين ولا يكون غاليًا في عامة الأحوال إن أخذ القروض أو سحب مبلغ الحوالات من المصارف حاجة لا تكاد تستغني عنها التجارة أبدًا. ومن ثم لا يكاد يقرع آذان التجار صوت مطالبة بالغاء نظام الربا، حتى يأخذهم القلق والهم ويتفكروا: كيف ينالون القروض أو يسحبون مبلغ الحوالات
(1) الحوالة عملية يصطلح عليها بكلمة"السفائج"عامة في فقهنا الإسلامي، وهي تتم بين شخصين لكل منهما الحساب لدى المصرف. فإذا أراد أحدهما أن يقترض من الآخر، أخذ منه الحوالة لشهر أو ثلاثة أشهر وهي أمر يصدره المحيل إلى المصرف بأن ينقل من حسابه كذا وكذا من المبلغ إلى حساب المحال له. فإن استطاع المحال له التوقف إلى هذه لعدم حاجته إلى المال، وفي القرض بين المحيل والمحال له مع انتهاء المدة نفسها، وأما إذا لم يستطع التوقف، سلم الحوالة إلى المصرف. وهذا ما يعرف بسحب مبلغ الحوالة.