الصفحة 78 من 85

وخذ لهذا الغرض شعبة القرض أولًا، لأن الناس كثيرًا ما تخالج قلوبهم في هذا الباب الشبهة بأنهم لن ينالوا من أحد شيئًا من القرض إذا ألغي نظام الربا. ولكن الحقيقة أنه إذا زالت عن طريق المالية هذه العرقلة النجسة -الربا- فلن يلقى الناس صعوبة في اقتراض المال، بل سيجدون في اقتراضه سهولة لا يجدونها الآن وسيقرضونه على وجه أحسن من الوضع الحاضر.

أ- للحاجات الشخصية: إنما الصورة الوحيدة لحصول القروض للحاجات الشخصية في النظام الحاضر، هي أن ينال الرجل الفقير المال من المرابي ويناله الرجل الوجيه من المصرف بالربا. وفي كل هاتين الصورتين يمكن لكل طالب للقرض أن ينال المال -من المرابي أو المصرف- لأي غرض وعلى أي قدر شاء إذا قدر على إقناع المرابي أو المصرف بأنه سيؤدي إليه رأس المال مع الربا، بصرف النظر عما إن كان يأخذ منه المال للمعاصي أو التبذير أو الحاجات الحقيقية، ولكنه إذا لم يقدر على إقناع المرابي أو المصرف بأنه سيؤدي إليه دينه مع الربا، لا يمكنه أبدًا -ولو كان في بيته ميت يريد كفنه ودفنه- أن ينال منه فلسًا واحدًا. ثم إن مصيبة الرجل الفقير وتبذير الرجل المثري كل منهما أحلى فرصة تسنح للرأسمالي للكسب: يجمع بين الأثرة وتحجر القلب ولا يذر شيئًا من ماله ولا من رباه على من وقع مرة في شبكته. والحقيقة أن ليس في جوف أحد في هذا النظام قلب يرى في أية حالة مؤلمة يتخبط ذلك المسكين الذي يستوفيه رأس المال مع الربا. فهذه هي"السهولات"التي يهيئها النظام الحاضر للناس في أخذهم القروض لحاجاتهم الشخصية. وتعال ننظر الآن كيف سيعنى نظام الإسلام غير الربوي - القائم على تطوعات الناس وصدقاتهم- بإعداد السهولات الحقيقية في هذه السبيل ..

إن أول ما يلاحَظ في هذا الصدد أن القروض للمعاصي والتبذير سيغلق بابها بتاتًا في هذا النظام لأنه لن يكون ثمة رجل أو مؤسسة تقرض الناس لمثل هذه الأغراض طمعًا في الربا، ولا بد أن يضيق فيه نطاق شؤون القروض كلها إلى الحاجات الحقيقية ولا يعود المال فيه يقرض ولا يقتَرض إلا على قدر ما تتحقق معقوليته في مختلف الأحوال الشخصية بوجه صريح.

ثم لأنه لا يجوز للدائن في هذا النظام أن ينتفع من المدين نوعًا من المنفعة، يكون استيفاء الديون فيه من أسهل ما يكون ويسهل حتى على أصحاب الدخل القليل أن يتخلصوا من عبء دينهم بالتقسيط، والذين يرهنون غيرهم أرضًا أو بيتًا ينقص من رأس المال ما يحصل من أرضهم أو بيتهم من الدخل مكان أن ينضم إلى الربا وينهضم فيه، مما سيساعد مساعدة عظيمة على وفاء الدين وتسوية الحساب في أقصر ما يكون من المدة. على أنه إذا بقي -بعد كل ذلك- دين دون الوفاء في أحوال شاذة، فإن بيت مال الحكومة على ظهر كل مدين، وهو سيساعده على وفاء دينه ولا بد. وإذا مات المدين ولم يترك بعده مالًا، فإن بيت مال الحكومة عليه التبعة في وفاء دينه. فلا يعود يصعب في مثل هذه الحال على ذي السعة أن يقرض جارًا من جيرانه الفقراء عند حاجته مثل ما يصعب في النظام الحاضر.

وإذا وجد في المجتمع، على كل ذلك، رجل لا يجد في حارته أو قريته رجلًا يقرضه، فإن باب بيت مال الحكومة مفتوح على وجهه يؤم إليه وينال منه القرض بكل سهولة ولكن الذي يجب أن يلاحظ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت