في الربا هو الذي قد غير اليوم طبيعة المال وانحرف بها عن طبيعة التجارة، فإن التجارة عندما تحس حاجتها إلى المال، يأبى هذا المال أن يتوجه إليها ويشدد في شروطه، ولكن عندما ينعكس الأمر ولا تعود التجارة في حاجة إلى المال، يجري هذا المال وراء كل تجارة راقية أو غير راقية ويرضى بأن يستغل فيها بشروط هينة. فإذا حرم الربا وألغي نظامه وطولب كل من عنده المال بأداء زكاته 2,5% سنويًا، فلا بد أن تعتدل طبيعة المال ويزول عنه هذا النزق والاستنفار ويجد من نفسه رغبة أكيدة في الاستغلال في التجارة والصناعة كلما وجد إليهما سبيلًا.
3 -إذا ألغي نظام الربا، انفصلت ماليات التجارة عن ماليات الدّين. أنه لا يحصل المال في النظام الحاضر في معظم الأحيان -بل كلها تقريبًا -إلا الربا، سواء أكان المدين يقترضه لشأن مثمر أو غير مثمر وسواء أكان يقترضه لحاجة موقتة أو لمشروع طويل الأجل. ولكن لا يكون الدين بعد تحريم الربا وإلغاء نظامه إلا لأغراض غير مثمرة أو لحاجات موقتة في التجارات والصناعات ولا بد أن يحصل لها المال على مبدأ القرض الحسن. أما الأغراض المثمرة سواء أكانت متعلقة بالتجارة والصناعة أو مشاريع الحكومة والمؤسسات الأهلية، فيحصل لها المال على مبدأ المضاربه بدل مبدأ القرض.
هذا، ونريد فيما يلي أن نبين على وجه من الإيجاز كيف تسير في النظام غير الربوي للماليات كل شعبة من هاتين الشعبتين.