الصفحة 76 من 85

إن إلغاء نظام الربا إذا جاء مقترنًا بالنظام الاجتماعي لجمع مال الزكاة وتوزيعه، ينتج عنه ثلاثة أمور مهمة من الناحية المالية:

1 -سوف تتبدل الصورة الفاسدة الحاضرة لاجتماع رأس المال بصورة صحيحة نافعة.

إن الطريق الذي يتجمع به الآن رأس المال هو أن نظامنا الاجتماعي يزيد من ميل الإنسان إلى البخل وجمع المال -وهو مما لا شك في وجوه طبعًا في كل فرد من أفراد البشر قليلًا أو كثيرًا- إلى أقصى حدوده بتدابيره المتصنعة، ويحرضه بوسائل الترغيب والترهيب على إنفاق أقل ما يقدر على إنفاقه وادخار أكثر ما يستطيع ادخاره من دخله: يتوعده إذا لم يدخر، أن ليس في المجتمع كله من يأخذ بيده عند النوازل والطوارئ، ويطمعه بالادخار بأنه سينال أجره بصورة الربا. ولهذا التحريض المضاعف يكب على جمع المال وإقلال النفقة في حاجات كل فرد من أفراد المجتمع يزيد دخله ولو بشيء عن حد كفافه، مما يؤدي إلى قلة استهلاك البضائع في الأسواق دون حد الإمكان وتهبط الإمكانيات بصفة مستمرة في رقي التجارة والصناعة وتقدمها ويزيد تكدس رأس المال واكتنازه عند عدد قليل من الناس على قدر ما يقل دخل عامتهم. فهكذا أن اجتماع المال واكتنازه عند قليل من الأفراد يضر المعيشة الاجتماعية بوجه عام، لأن كل فرد يعمل فيها دائمًا على زيادة ماله بوجه يعجز آلافًا من الأفراد عن كسب شيء أصلًا فضلًا عن أن يفضل عندهم من دخلهم فاضل.

ولكن ... إذا ألغي الربا وصار كل فرد في المجتمع على اطمئنان بأن الأسباب موفورة لمساعدته عند النوازل بما في البلاد من نظام لجمع أموال الزكاة وتوزيعها، تلاشت عن المجتمع الأسباب والمحرضات غير الفطرية على البخل وادخار المال وأخذ الناس ينفقون عن سعة قلوبهم ويجعلون إخوانهم الفقراء على قوة شرائية تمكنهم أيضًا من الإنفاق، مما يؤدي طبعًا إلى رقي التجارة والصناعة وتحسن حالة الناس الاقتصادية وزيادة دخلهم. ففي مثل ذلك الوضع تزيد الأرباح من التجارة والصناعة ولا تعودان تفتقران إلى رأس المال الخارجي -كما تفتقران إليه في مجتمعنا الحاضر- وينهمر إليها المال من كل وجه من داخل البلاد على قدر ما تكونان في حاجة إليه، لأن الناس جميعًا لا يستغنون بتاتًا عن جمع المال -كما يظن بعض الناس- بل أن منهم من يجمعه على مقتضى نشأته أو يضطر إلى جمعه لكثرة دخله وكون المجتمع مغمورًا بالرفاهة وسعة البال. وليس هذا الجمع والادخار لبخل الناس أو طمعهم أو خوفهم على مستقبلهم وإنما منشؤه أنهم يكسبون أكثر مما يحتاجون إليه ويفضل عندهم المال على إنفاقهم إياه عن سعة قلوبهم في الطرق المشروعة ولا يجدون فقيرًا يقبل منهم الصدقات فيضطرون إلى جمعها اضطرارًا فيستعدون لتوجيهها إلى مشاريع الحكومة وتجارة بلادهم وصناعتها بل إلى البلاد المجاورة لبلادهم أيضًا.

2 -ستميل ولن تزال تميل ثروة الناس المدخرة إلى الاستغلال في الشؤون المثمرة دون أن تقف متكدسة في مكانها ولن تزال تجارة البلاد وصناعتها وزراعتها تجدها وتستعين بها على قدر حاجتها في كل حين من أحيانها. أن الشيء الوحيد الذي يحمل الثروة على الاستغلال في التجارة والصناعة في النظام الحاضر، هو الطمع في الربا، ولكن هذا الطمع في الربا هو الذي يسبب وقوفهما، لأن الرأسمالي يمسك ولا يزال يمسك ماله في معظم الأحيان رجاء في ارتفاع سعر الربا في السوق، كما أن هذا الطمع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت