الصفحة 7 من 85

أنك أنت الذي أتحت له فرصة هذا الانتفاع. ولكن أي شيء من العقل أو العدل أو علم الاقتصاد أو قواعد التجارة يحدد نوعية هذه الفرصة ويجعل من حقك أن تجعل لها قيمة مالية وتغالي فيها على قدر ما تكون مصيبة مدينك المسكين شديدة، ولا تزال ترفعها شهرًا فشهرًا وسنة فسنة على قدر ما تطول مصيبته وتفدح؟ إن غاية ما يسوغ لك أن تفعله، إن لم تكن واسع القلب ولا تستطيع أن تتصدق بشيء من مالك الفاضل عن حاجاتك على أخيك المنكوب الملهوف، هو أن تقرضه إياه على شيء يضمن لك رجوعه إليك سالمًا في مدة معينة. وأما إن كنت لا تستطيع أن تقرضه ولا بالضمان، فمن المعقول كذلك أن تأبى إقراضه أصلًا، ولكن مما ينافي مبادئ التجارة ويخالف أصول العدل والمروءة أن تجعل مصيبة أخيك ونكبته مجالًا لانتفاعك وتكون البطون المتضورة جوعًا، والمرضى المشرفون على الموت موضعًا لاستغلال المال، وازدياد إمكانيات منفعتك على قدر ما تشتد مصائب هؤلاء المساكين.

إذا كانت"إتاحة فرصة الانتفاع"شيئًا ذا قيمة مالية، فإنما هي كذلك إذا كان الذي يأخذ المال يستغله في تجارة أو صناعة أو غيرها من طرق الكسب، ولا شك أن للذي يعطيه هذا المال أن يقول له في مثل هذا الوضع إن من حقي أن أنال نصيبًا من المنفعة التي ترجع عليك بفضل ما قد أعطيتك من المال. ولكن الحق أنه إن كان يريد أن يوظف ماله المتكدس في تجارة أو صناعة مثمرة يبتغي منها المنفعة والربح، فإن الطريق المعقول بالنسبة له أن يضارب غيره -بدل أن يعامله معاملة الدَّين- ويشاركه في التجارة أو الصناعة بنسبة يتفق عليها معه في الربح وفي الخسارة معًا. وليس من المعقول له أبدًا أن يعطي غيره مقدارًا من المال دينًا -دون أن يعامله معاملة المشاركة في الربح والخسارة معًا -ويقول له"بما أنك ستنتفع بمالي، فمن حقي عليك أن تؤدي إليّ ليرة -مثلًا- في كل شهر ما دمت تستغل مالي في التجارة"والسؤال الذي يثور يهذا الصدد هو أنه إن خسر ذلك الرجل في تجارته ولم ينتفع أو كان ربحه أقل من ليرة في كل شهر، فعلى أي أساس يستحق هذا الدائن أن ينال منه ليرة في كل شهر؟ وإذا لم يكن ربحه -كله- إلا ليرة واحدة في كل شهر، فأي نوع من العدل يبيح لهذا الدائن أن لا يدعه ينال شيئًا من ربحه مع أنه هو الذي قد بذل وقته وجهده وكفاءته ورأس ماله طول الشهر؟ وكيف يجوز لهذا الدائن أن يستبد دونه بكل هذا الربح بمجرد أن قد أقرضه ماله؟ يسقي الثور أرض الفلاح طوال النهار، فأقل ما يكون من حقه مساء أن يطالب الفلاح بعلفه، ولكن الويل لهذا التعامل الربوي فإنه يجعل من الإنسان ثورًا عليه أن يعمل لصاحبه طول النهار، إلا أن عليه، كيما ينال علفه، أن يذهب إلى مكان آخر.

وهب أن الربح الذي يناله المدين المحترف للتجارة أو الصناعة أو غيرهما بماله المفترض، هو أكثر من ذلك القدر المحدد الذي يجعله عليه الدائن (كـ(ربا) . فلا يجوز -حتى في هذه الصورة- بموجب أي شيء من العقل والعدل ومبادئ التجارة وقانون الاقتصاد، إثبات المعقولية في أن تكون منفعة التجار والصناع والمزارعين ممن هم العاملون الحقيقيون للإنتاج والصارفون للأوقات والباذلون للجهود والمستنفدون لكل ما يملكون من القوى الجسدية والفكرية لإنتاج حاجات المجتمع وتهيئتها، يأبى كل شيء من العقل والعدل أن يكون ربح هؤلاء المساكين غير معين ويكون ربح ذلك المرابي الوادع المستريح الذي إنما أقرض شيئًا من ماله المدخر الفاضل عن حاجاته معينًا يقينًا، وأن يكون هؤلاء جميعًا مهددين بالخطر على الدوام ويكون صاحبهم هذا مضمونًا ربحه مهما تكن الظروف والأحوال. وأن ينقص ربحهم ويزيد على حسب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت