الصفحة 6 من 85

فأول دليل نواجهه من الدلائل المبررة للربا هو: أن الذي يقرض غيره، يعرض ماله للخطر، ويؤثر ذلك الغير على نفسه ويسد حاجته، ويسلم إليه ما يستطيع أن ينتفع به بنفسه. فالمدين إذا كان قد اقترض منه هذا المال سدًا لحاجة من حاجاته الذاتية فعليه أن يؤدي إليه كراءة كما يؤدي كراء البيت أو الأثاث أو المركب، ليكون عوضًا له عن الخسارة التي تحملها بإقراضه إياه وأجرة له على ماله الذي اكتسبه بجده وجهده ثم أقرضه إياه. هذا إذا كان المدين أخذ منه المال لسد حاجة من حاجاته الشخصية الاستهلاكية، وأما إذا كان قد أخذه لتوظيفه في تجارة أو صناعة مثمرة فإن الدائن أحق بأن يطالب مدينه بالربا على دينه، لأن المدين إذا كان ينتفع بماله، فما له لا يؤدي إليه نصيبه من هذه المنفعة؟

أما الجزء القائل من هذا الدليل بأن الذي يُقرض غيره يعرض ماله للخطر ويؤثر ذلك الغير على نفسه، فلا شك في صحته ووجاهته، ولكن ليت شعرنا كيف يصح بناء عليه أن يكون من حق الدائن أن يجعل هذا الخطر والإيثار وسيلة الكسب وينال قيمته بحساب 5 أو 10% شهريًا أو سنويًا أو نصف سنوي؟

إن الحقوق التي يستحقها هذا الدائن على أساس الخطر -بطريق معقول- لا تعدو أن يرتهن من مدينه شيئًا، أو يقرضه على كفالة شيء أو يطالبه بمن يضمن له سلامة ماله، أو لا يعرض ماله للخطر أصلًا فيأبى أن يقرضه شيئًا أبدًا. ولكن ليس"الخطر"سلعة يُساوم في قيمتها ولا منزلًا ولا أثاثًا، ولا مركبًا تؤخذ أجرته. أما الإيثار فهو الإيثار ما لم يكن أداة للكسب. فمن أراد الإيثار، فعليه بالاقتناع بما لهذا العمل الخلقي من الفوائد المعنوية. وأما إذا أراد به الكسب والربح، فعليه أن يكف لسانه عن دعوى الإيثار وليقل بكل سراحة"إنما أريد الكسب"ويبين من الأسباب ما يجعله مستحقًا للمبلغ الذي يناله على ماله سنويًا أو شهريًا باسم الربا:

هل هو تعويض عن الضرر؟. الجواب لا. لأن المال الذي أقرضه المدين كان فاضلا عن حاجاته وما كان يستعمله بنفسه، فما وقع له أي ضرر حتى يستحق عليه التعويض.

هل هو أجرة؟ .. الجواب لا، لأن الأجرة إنما تكون للأشياء التي بذل الإنسان وقته وجهده وماله لتهيئتها وتعهدها بالإصلاح للمستأجر، وهي تنقص أو تنكسر أو تقل قيمتها على مر الأيام بالاستعمال. وهذا التعريف للأجرة إنما يصدق على أدوات الاستعمال كالبيت والأثاث والمركب وأجرتها هي التي تكون معقولة. ولكن لا يصح أن يطلق هذا التعريف على أدوات الاستهلاك كالحبوب أو الثمار أو النقد فأي معنى لأجرتها؟

وغاية ما للدائن أن يحتج به في مشروعية رباه: أني أتيح لغيري أن ينتفع بمالي فمن حقي أن أنال نصيبا من منفعته. لا شك أن هذا القول فيه جانب من المعقولية، ولكن قل لي بالله أن الذي قد استقرضك مقدارًا من الحبوب ليمسك به رمق أولاده المتضورين جوعًا، أو شيئًا من المال ليعالج به طفله أو زوجه أو أمه المريضة، هل تراه قد انتفع بحبوبك أو مالك منفعة تستحق أن تنال منها نصيبك شهريًا أو سنويًا حسب سعر معين مضمون؟ لا شك أنه قد انتفع بما أعطيته من المال أو الحبوب، ولا شك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت