3 -ومن صور التبادل بين الأشياء المتحدة في الجنس أن يكون عند رجل شيء من جنس بصورته الخام، وعند رجل آخر شيء مصنوع من ذلك الجنس نفسه فيريدا أن يتبادلاهما بينهما. فالذي يجب أن يتبين في هذه الصورة: هل الصنعة قد غيرت من هيئة ذلك الشيء حتى جعلته شيئًا مستقلًا أو لم يظهر فيه بعدما تغير عظيم بالنسبة لهيئة الخام أما في الصورة الأولى، فيجوز التبادل بينهما بالزيادة والنقصان، وأما في الصورة الأخرى، فلا يجوز التبادل بينهما إلا بالتساوي حتى لا يتقوى في الناس داء الاستزادة، فهناك على سبيل المثال تغيرات عظيمة تحدث بنسج القماش أو القطن أو صنع القاطرة من الحديد، وتغيرات خفيفة تحدث بصنع الخلخال أو الخاتم من الذهب. فلا بأس في الأولى من هاتين الصورتين أن تشتري كمية صغيرة من القماش بكمية كبيرة من القطن، أو قاطرة ذات وزن أخف بكمية كبيرة من الحديد، ولكن لا يجوز في الصورة الأخرى أن يتبادل بين الذهب والخلخال إلا بالتساوي [1] أو بأن يباع الذهب في السوق ثم يشتري بقيمته الخلخال.
4 -من الجائز تبادل الأشياء من مختلف الأجناس بالتفاوت بشرط تمامه يدًا بيد. وسبب هذا الشرط أن كل معاملة تتم يدًا بيد، لا بد أن تكون على حسب سعر السوق. فالذي يأخذ الذهب ويعطي الفضة، لا يعطي الفضة مقابل الذهب في معاملة النقد الحاضر إلا على حسب الفرق بين قيمة الذهب والفضة في السوق. ولكن المعاملة بالتفاوت إذا كانت بالدين، فإنها قلما تسلم من غبار الربا، لأن الذي يعطي اليوم 80 قيراطًا من الفضة على أن يستردها بعد شهر قيراطين من الذهب، من أين له أن يعرف أن 40 قيراطًا من الفضة ستكون مساوية لقيراط من الذهب بعد شهر. فما تعيينه النسبة بين تبادل الذهب والفضة سلفًا إلا نتيجة لعقلية المرابي والمقامر. وكذلك إن الرجل الذي يأخذ منه 80 قيراطًا من الفضة على أن يردها إليه بعد شهر قيراطين من الذهب، فهو أيضًا يلج باب المقامرة حيث ضمن في نفسه أن تكون النسبة بين قيمة الذهب والفضة بعد شهر 1: 35 بدلًا من 1: 40. فبناء على هذا قد قرر الشارع أن لا يتبادل بالتفاوت بين الأشياء المختلفة في الأجناس إلا يدًا بيد. أما الدين، فيجب أن يكون على أحد طريقين: إما ألا يُرد إلا الشيء الذي يؤخذ وبالمقدار الذي يؤخذ به فإذا أخذ قيراط من الذهب مثلًا فالواجب أن يُرد قيراط من الذهب لا مائة قيراط من الفضة، أو أن تتم المعاملة بالنقد بدلًا من أن تم بصورة الأجناس، فإذا كان زيد أخذ اليوم من الأرز ما قيمته 80 ليرة فمن الجائز أن يقول لمن أخذ منه الأرز إني سأرد إليه بعد شهر 80 ليرة أو من الشعير ما ستكون قيمته 80 ليرة. وهذه القاعدة قد جاء بيانها في حديث للنبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود وفيه"لا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يدًا بيد ولا بأس ببيع البر الشعير والشعير أكثرهما يدًا بيد وأما النسيئة فلا".
(1) لا يظن أحد بما قلنا في هذا المقام أنه يوجد باب مهنة الصائغ فإنه لا بد له بعد ذلك أن يبيع الحلي المصنوعة من الذهب بما يساوي وزنها من الذهب ولا يأخذ شيئًا من الأجرة على صنعته. فهذا شبهة لا أساس لها من الصحة لأننا لا نتعامل مع الصائغ في حقيقة الأمر بتبادل الذهب بالحلية، وإنما نعطيه الذهب ونطلب منه أن يصنع -لنا منه شيئًا نريده. فمن حقه إذن أن يأخذ الأجرة كما يأخذها الخياط أو الخباز أو غيرهما من المحترفين. غير أننا إذا أردنا أن نشتري من بائع الحلي حلية مصنوعة من الذهب، فلا شك أنه لا يجوز البتة أن نعطيه من الذهب ما يزيد عن وزن الحلية ولا بد أن نعطيه الأجرة إما بصورة الفضة أو بصورة الأوراق النقدية.