لا شك أن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم هذه مجملة وليس فيها التصريح بجميع الصور الجزئية للمعاملات، فهناك جزئيات قد يتطرق إليها الشك ولا يكاد يعرف ما إن كانت من الربا أم لا؟ وإلى ذلك أشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله"إن آية الربا من آخر ما نزل من القرآن وإن النبي صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يبينه لنا فدعوا الربا والريبة".
الخلاف بين الفقهاء في الجزئيات:
وهذا الإجمال هو منشأ الخلاف بين الفقهاء في تعيين الأجناس الربوية وعلة تحريمها.
تقول طائفة منهم: إن الربا إنما هو مقصور على الأجناس الستة المذكورة في الحديث وهي البر والشعير والذهب والفضة والتمر والملح. أما الأجناس الأخرى فلا يجري فيها الربا ويجوز تبادلها بالتفاصيل بدون قيد. وهذا ما ذهب إليه قتادة وطاووس وعثمان البتي وابن عقيل الحنلي والظاهرية.
وتقول طائفة أخرى: إن كل شيء يباع بالكيل أو الوزن، يدخله الربا. وهذا ما ذهب إليه عمار وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل في رواية.
وتقول طائفة ثالثة: إن الربا يدخل الذهب والفضة وكلّ ما يباع بالوزن أو الكيل من المأكولات وهذا مذهب سعيد بن المسيب ومذهب الشافعي وأحمد في رواية.
وتقول طائفة رابعة: إن علة تحريم ربا الفضل أمران: أحدهما أن يكون الطعام مقتاتًا ومعنى كونه مقتاتًا أن يقتات به الإنسان غالبًا بحيث تقوم عليه بنيته. ثانيهما أن يكون صالحًا للادخار. هذا ما ذهب إليه الإمام مالك بن أنس.
وقد ذهب أبو حنيفة وأحمد فيما يتعلق بالدرهم والدينار إلى أن علة حرمة الربا فيهما هي الوزن. وقال الشافعي ومالك -وأحمد في رواية- إنها القيمة.
وباختلاف المذاهب هذا قد اختلف إجراء حكم تحريم الربا في المعاملات الجزئية. فشيء ليس من الأجناس الربوية في مذهب، وهو من الأجناس الربوية في مذهب آخر. وعلة حرمة الربا بعض الأشياء في مذهب مختلفة عنها في مذهب آخر، ومن ثم يدخل الربا بعض الأشياء في مذهب ولا يدخلها في مذهب آخر. على أنه ليس هذا الاختلاف بين المذاهب في الأمور التي يدخلها الربا بموجب أحكام الكتاب والسنة الصريحة، وإنما هو من الأمور المشتبهة الواقعة على الحد بين الحلال والحرام. فإن حاول أحد الآن محتجًا بهذه المسائل المختلف فيها أن يرمي بالاشتباه أحكام الشريعة في المعاملات التي قد وردت النصوص على كونها من الربا ويفتح باب الرخص والحيل بهذا الطريق للاستدلال ويدعو الأمة إلى سلوك طرق الرأسمالية، فلا شك أنه يعد تاركًا للكتاب والسنة للظن والخرص وضالًا مضلًا ولو كان مخلصًا صادق النية عند نفسه.