الصفحة 35 من 85

عامة تأخذ هذه القروض في أحوال تهجم فيها على بلادها أزمات غير عادية لا تكاد تكفي وسائل البلاد المالية لتقوم في وجهها وتكشف غمتها، فتتجه إذن إلى الاستقراض من الخارج طمعًا في ترقية وسائلها بمزيد من السرعة إذا أنفقت مقدارًا عظيمًا من المال في مشاريعها وأعمالها الإنشائية. ثم إن هذه القروض تؤخذ عامة بسعر يتراوح بين 6 - 7 و9 - 10% سنويًا، كان الربا عليها كثيرًا ما يبلغ مئات الملايين من الليرات سنويًا. إن المتمولين والمرابين في سوق المال الدولية يقرضون مثل هذه الحكومات أموالهم بتوسيط حكوماتهم بينهم وبينها ويرتهنون منها إحدى وسائل دخلها المهمة كالجمرك أو التنبول أو السكر أو الملح، ضمانًا منها بوفاء قروضها إليهم.

إن هذا النوع من القروض الربوية يحمل في نفسه جميع المفاسد والسيئات والمضار التي سلف لنا فيها القول آنفًا إن قروض الأفراد لحاجتهم الشخصية وقروض الحكومات من أهالي بلادها لا تحمل في نفسها مضرة أو سيئة أو مفسدة لا تحملها القروض التي تأخذها الحكومات من المرابين في السوق الدولية، فلا حاجة بنا إذن إلى إعادة ذكر هذه المفاسد مرة أخرى في هذا المقام: ولكن بالإضافة إلى جميع هذه المفاسد والمضار يحمل هذا النوع في نفسه مفسدة هي أشد خطرًا وأكثر مضرة على الإنسانية من سائرها، هي أن الأمم -بجميع ما تشتمل عليه من الأفراد والطوائف- تختل ماليتها وحالتها الاقتصادية لأجل هذا النوع من الفروض، مما يؤثر تأثيرًا غير محمود في الوضع الاقتصادي للدنيا كلها، ويغرس بذور العداوة والبغضاء بين أمم الأرض وشعوبها، وليس إلا من فضل هذه القروض أن شباب الأمم البائسة عندما تتكسر قلوبهم في آخر الأمر يبدأون بالإقبال على فلسفات سياسية واجتماعية واقتصادية متطرفة والبحث عن الحل لمصائبهم وكوارثهم القومية بطريق ثورات دامية وحروب ضارية.

من الظاهر أن كل حكومة إذا لم تكن وسائلها المالية كافية في رفع مصائبها وقضاء حاجاتها، فإن لها أن تؤدي كل سنة ربا مقداره عشرات ومئات الملايين من الليرات مع أدائها قسطًا من أقساط دينه، ولا سيما إذا كان دائنها ارتهن منها وسيلة كبيرة من وسائلها المالية وضيق نطاق دخلها عما كان عليه من قبل. ومن ثم إن حكومة تستقرض مبلغًا عظيمًا من المال بهذا الطريق، قلما تزول مصائبها في معظم الأحيان، لأنها كثيرًا ما تلتجئ لتصفية أقساط قروضها ورباها إلى فرض الضرائب الفادحة على رؤوس سكان بلادها والإقلال من نفقاتها، مما يزيد من قلق الأهالي ويسعر نار اضطرابهم في جانب لأنهم لا يستعيضون عما ينفقون من المال مالًا يعادله، وفي الجانب الآخر يستعصي على الحكومة أن تبقى مؤدية أقساد القروض والربا في المبعاد على ما تكلف به الجمهور وفوق طاقتهم في أداء الضرائب. ثم إذا بدأ التقصير عن البلاد في أداء قروضها، بدأ قارضوها يرمونها بقلة الأمانة وأكل مال الغير بالحرام وبدأت جرائدهم القومية، بإيماء منهم، تطعن فيها، حتى يؤول الأمر إلى أن تتوسط حكومتهم بينهم وبينها ولا تقتصر على الضغط والإرهاب السياسي عليها لمصلحة رأسماليها فقط، بل تستغل مصائبها ونكباتها لمصالحها السياسية أيضًا. فتحاول حكومة البلاد المدينة النجاة من هذه الأزمة بالزيادة من ضرائبها على سكان بلادها وتقل من نفقاتها ولكن ذلك يؤثر تأثيرًا لا تحمد عواقبه في أهاليها ويحدث في طبيعتهم النزق والطيش لأجل ما يتقبلون فيه بصفة دائمة من الأوزار المالية والأزمات الاقتصادية المتصاعدة، فيزيدهم طعن المقرضين في الخارج وضغطهم السياسي غضبًا وزمجرة، مما يفضي بهم أخيرًا إلى عدم الثقة بالمدبرين المعتدلين في بلادهم ويستعر في صدوهم نار الغضب والحنق ويجعلهم يتبعون المتطرفين الذين يتبرؤون عن كل ما يكون عليهم من الديون بحركة واحدة من شفاههم أو يبرزون إلى الميدان يتحدون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت