سكانها، وتهيئة الكهرباء لهم، وبناء البيوت المريحة الصحية للموظفين الأدنين، وما إلى هذا من الأعمال النافعة الأخرى بالنسبة للبلاد وعامة سكانها، فمهما تكن بالغة في أهميتها في حد ذاتها ومهما يلحق بالبلاد من الضرر بعدم وجودها، فإن أي حكومة لا تكاد تنفق فيها شيئًا من مالها ما دامت لا ترجو منها ربحًا مساويًا لسعر الربا في السوق أو أكثر منه.
ثم إن الحقيقة في باب مثل هذه الأعمال والمشاريع التي تستقرض الحكومة المال بالربا للانفاق فيها أن الحكومة إنما تلقي وزر رباها على عامة أهالي البلاد وتستجلبه من جيب كل واحد منهم بفرض الضرائب والمكوس عليهم ولا تزال تؤدي إلى الرأسماليين إلى مدة مديدة من الزمن آلافًا مؤلفة من الليرات في كل سنة. فإذا كانت الحكومة تشرع اليوم مثلًا في مشروع كبير للري، وتنفق فيه خمسين مليون ليرة باستقراضها بسعر 6%، فعليها -بحكم هذا الحساب- أن تؤدي في كل سنة ثلاثة ملايين من الليرات إلى الرأسماليين. ومن الظاهر أن ليس بيد الحكومة ينبوع ينفجر لها بمثل هذا القدر الكبير من المال فهي تلقي وزره على الفلاحين الذين ينتفعون من هذا المشروع، ولا بد -على هذا- أن يكون هناك في كل ما يؤدي هؤلاء الفلاحون إلى الحكومة من المال، جزء لأداء هذا الربا. كما أن الظاهر كذلك أن هؤلاء الفلاحين لا يؤدون هذا الربا من جيوب أنفسهم، بل يلقون وزره على قيمة حاصل أراضيهم، كأن هذا الربا يؤخذ، على وجه غير مباشر، من كل من يشتري الغلة من السوق ليعد منه الخبز في بيته من أهالي البلاد. فكسر قطعة من رغيف كل فقير معدم تملأ -بانضمامها إلى القطة الأخرى- بطون الرأسماليين الذين كانوا أقرضوا الحكومة مالهم بسعر ثلاثين مليون من الليرات سنويًا. وأما إذا عجزت الحكومة مثلًا، عن تسديد هذا الدين إلى خمسين سنة، فإنها لن تنفك إلى نصف قرن تقوم بواجب جمع"الاكتتاب"من الفقراء وتساعد به الأغنياء في بلادها، ولن تكون منزلتها في هذا الشأن مختلفة عن منزلة كاتب لحسابات المرابي فكل هذا مما يجعل الثروة في الاقتصاد الاجتماعي تجري من الفقراء إلى الأغنياء، مع أن الذي يقتضيه فلاح الجماعة ومصلحتها هو أن يكون جريان الثروة من الأغنياء إلى الفقراء. وهذه المضار والمفاسد لا توجد في الربا الذي تؤديه الحكومة على قروض تأخذها لأغراضها المثمرة فحسب، بل هي توجد أيضًا في جميع المعاملات الربوية التي يتعامل بها أصحاب التجارة والصناعة والحرف الأخرى، لأن من الظاهر أن كل تاجر أو صنع أو زارع لا يؤدي الربا إلى المرابي من جيبه، بل يلقي وزره على أثمان بضائعه ومنتجاته وحاصلات أرضه ويجمعه فلسًا فلسًا من جيوب عامة الأهالي"اكتتابًا"منهم لمساعدة أصحاب الملايين وعشرات الملايين.
الحق أن أكثر من يستحق المساعدة في هذا النظام المنعكس الغاشم هو أغنى من في البلاد من أصحاب الثراء والأموال، وأن أكثر من يجب عليه أن يساعد هذا"المسكين"هو من لا يكسب بعرق جبينه ووصله سواد ليله ببياض نهاره إلى ليرة أو بعض لبيرة حيث الحرام عليه أن يشتري بها رغيفًا يمسك به رمق حياته وحياة أهله وأولاده المتضورين جوعًا قبل أن يخرج من هذا الرغيف حق ذلك"المسكين"المتمول الذي يستحق المرحمة والمعونة أكثر من غيره.
د- قروض الحكومات من الخارج:
وآخر نوع من هذه القروض تلك التي تأخذها الحكومات من المرابين في خارج بلادها. إن مثل هذه القروض تكون عامة لمبالغ عظيمة من المال قد تبلغ أحيانًا آلاف الملايين من الليرات. والحكومات