الصفحة 33 من 85

المجتمع ورباه وأخذ بيده حتى أصبح قادرًا على الكسب ودافع عنه الأخطار وحماه من المضار والخسائر، وقام نظامه المدني والسياسي والاقتصادي بجميع الخدمات التي تيسر له أن يكسب معاشه وهو آمن وداع فأصبح يأبى أن يقرض مجتمعه شيئًا من ماله بغير الربا، حتى ولا عند الحاجات التي ليس من شأنها أن ترجع بشيء من الربح المالي، والتي تتوقف على تحققها مصلحته نفسه مع مصلحة غيره من أبناء المجتمع. تراه يقول لمجتمعه الذي كفله ورباه: لا بد لي أن أتقاضاك أجرتي سنويًا على ما تقترض مني من المال، سواء أكسبت منه ربحًا أم لم تكسب.

أقذر بهذا الوضع من المعاملة وأبشع عندما تتعرض البلاد لحرب، ويمسي نفس هذا المرابي وماله وعرضه مع نفوس غيره من أفراد المجتمع وأموالهم وأعراضهم عرضة للخطر. ومن المعلوم أن كل شيء في الخزانة القومية ينفق في مثل هذه الحالات، وأنه لا ينفق في غرض مثمر بل ليكون رمادًا في نار الحرب المشبوبة، وإنما ينفق لغرض ينحصر في نجاحه أو إخفاقه موت هذا المرابي وحياته أيضًا مع موت سائر أفراد المجتمع وحياتهم. ومن أجل ذلك يكون جميع أفراد المجتمع يضحون فيه بمهجهم وأرواحهم وأوقاتهم وجهودهم ولا يتساءل أحد منهم عما سينال من الربح سنويًا على ما يبذل من روحه وأوقاته وجهوده للدفاع عن البلاد، إلا هذا المرابي فإنه يرفع رأسه من جمعهم ولا يرضى بإقراض شيء من ماله إلا على شرط أن ينال الربح على ماله بحساب كذا وكذا في المائة سنويًا، وألا يزال يناله ما دامت الأمة بجميع أفرادها لا تصفية حسابه وتؤدي إليه آخر قرش من رأس ماله ولو طالت هذه المدة إلى قرن كامل بل إلى عدة قرون، ويصر على أن ينهال هذا الربح على خزنته حتى من جيوب أولئك الذين يجرحون للدفاع القومي في أيديهم وأرجلهم ورؤوسهم، ويصابون في أولادهم وإخوانهم وأزواجهم عبثًا فهل تستحق مثل هذه الفئة أن يكفلها المجتمع ويسمنها بإيكالها الربا، أم حقها أن يقتلها ويفنيها بإيكالها الحبوب السمية التي تستعمل لقتل الكلاب؟

(ب) أما النوع الثاني من القروض التي تأخذها الحكومات من أهالي بلادها فلا يختلف عن القروض التي يأخذها عامة الأفراد والمؤسسات لأغراضها التجارية فترد عليه أيضًا جميع الاعتراضات التي قد أوردناها قبل على قروض التجار والصناع، إن القروض التي تأخذها الحكومات لأغراضها المثمرة، تأخذها عامة لآجال طويلة، ولكن لا تكون أي حكومة، عندما تأخذ هذه القروض بسعر سنوي معين. على علم بما سيطرأ على أحوال بلادها الداخلية والشؤون الدولية الخارجية من التطورات والحوادث خلال العشرين والثلاثين سنة الآتية، ولا تدري هل ستعود عليها هذه الأغراض التي تأخذ لها هذه القروض بشيء من الربح أم لا؟ وكثيرًا ما تخطئ هذه الحكومات في مقاييسها وقلما تعود عليها مشاريعها وأعمالها بالربح على حسب سعر الربا فضلًا عن أن تعود عليها بربح أكثر منه. فكل هذا من الأسباب الهامة والعوامل الأساسية التي تصيب الحكومات بأزمات مالية شديدة يستعصي عليها معها إيفاء رأس مال الديون السالفة وأقساط الربا فضلا عن أن تنفق مزيدًا من المال على مشاريع مثمرة جديدة.

وتعرض هنا أيضا تلك الصورة نفسها التي قد أشرنا إليها سابقا، أي أن سعر الربا في السوق يقرر حدا للربح من المال، لا تستعد أي حكومة أن تنفق أموالها في عمل يرجع عليها بربح دونه ولو كان ذلك العمل في منتهى الإفادة والنفع بالنسبة بالنسبة للجمهور في البلاد، فعمارة البقاع غير العامرة وإصلاح الأراضي القاحلة، وتهيئة الماء للري في البقاع الجدبة، وإنشاء الشوارع في القرى وحفظ صحة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت