الصفحة 32 من 85

مثل هذا الوضع يستعصي عليهم أن يصرفوا ثروة عظيمة في اشتراء الآلات والماكينات المستحدثة، بل لا يجدون لأنفسهم بدًا أن يظلوا يستخدمون ما بأيديهم من الآلات والماكينات القديمة المستعملة وألا يوردوا إلى السوق إلا منتجات رديئة، حتى يتمكنوا من الوفاء بما عليهم من الدين ورباه ويولدوا مع ذلك -شيئًا من الربح لأنفسهم. ثم إن من كرامات هذه الديون قصيرة الأجل نفسها أن أصحاب المصانع يقللون من إنتاج البضائع في مصانعهم بمجرد ما يحسون بقلة الطلب عليها من السوق، ولا يجدون من أنفسهم جرأة -ولو إلى مدة قصيرة- على أن يبقوا ينتجون البضائع في مصانعهم على ذلك النطاق نفسه الذي كانوا ينتجونها عليه من قبل، لأنهم يجدون أنفسهم مهددين بالخطر الداهم قائمين على شفا حفرة من الإفلاس إذا انخفضت قيمة بضائعهم في السوق.

6 -إن المال الذي يستقرضه التجار والصناع لمشاريعهم التجارية والصناعية لأجل طويل، يسبب أخذ الربا عليه منهم حسب سعر معين كثيرًا من المفاسد. فمثل هذه الديون تؤخذ عامة لعشرة أعوام أو عشرين أو ثلاثين عامًا ويتفق فيها الفريقان على سعر مخصوص يوفيه المدين إلى الدائن سنويًا، ولا يراعى فيها ولا يمكن أن يراعى ما دام لا يرى الفريقان من ظهر الغيب، ما سيتقلب على أثمان البضائع من تطورات الارتفاع أو الانخفاض وأنه إلى أي حد سوف تزيد أو تقل أو تنعدم بتاتًا فرصح الربح للمدين خلال مدة العشر سنين أو العشرين أو الثلاثين سنة الآتية وهب أن رجلا يستقرض اليوم مقدارًا عظيما من المال لعشرين سنة بسعر 7% سنويًا ثم ينشئ على أساسه عملًا كبيرًا مهمًا، فهو مضطر بطبيعة الحال ألا يزال يؤدي إلى الدائن سنة فسنة إلى سنة 1978م قسطًا من أقساط دينه وما عليه من الربا. ولكن إذا انخفضت الأثمان في السوق في سنة 1960م إلى شطر ما هي عليه اليوم مثلا، فمعناه أن هذا المدين ما دام لا يبيع في تلك السنين القادمة أضعاف ما يبيعه اليوم من بضائع، فإنه لن يستطيع أن يؤدي إلى الدائن قسطه من الدين ولا من الربا وستكون النتيجة اللازمة لذلك أن يفلس أكثر مدينين هذا الدائن أو يأتوا بحيل غير مشروعة مخلة بنظام بلادهم الاقتصادي لينقذوا أنفسهم من الإفلاس. ومما لا يكاد يقوم فيه أدنى ارتياب عند كل رجل عاقل أن الرأسمالي الذي يقرض التجار والصناع بين الأثمان المرتفعة والمنخفضة في مختلف الأزمان. ليس ربحه الذي لا يتبدل مع انخفاض الأثمان وارتفاعها في شيء من العدل والإنصاف ولا يمكن إثبات تمشيه مع مبادئ الاقتصاد، ومساعدته على الرفاهية الاجتماعية. أو قد سمعتم في الدنيا بمقاول إذا كان يعاهد زبائنه على أن يهيء لهم شيئًا من أدوات حاجتهم، يقطع معهم أن لن يهيء لهم هذا الشيء في العشرين سنة القادمة إلا بهذا السعر الذي يهيئه لهم به الآن. فإن كان هذا الوضع الغريب لا يمكن في نوع من أنواع البيع الطويلة الأجل في الدنيا. فما للرأسمالي المرابي وحده دون غيره يتفق مع مدينه على قيمة مخصوصة لدينه، ثم لا يزال يتقاضاه إياهم إلى مدة غير قصيرة من السنين!

ج- قروض الحكومات من أهالي بلادها:

ولنتناول الآن بالبحث تلك القروض التي تأخذها الحكومات من أهالي بلادها فهي على نوعين: نوع يكون لأغراض غير مثمرة ونوع يكون لأغراض مثمرة.

(أ) أما النوع الأول فإن الربا عليه لا يختلف في شكله من الربا الذي يتقاضاه المرابون من مدينيهم الأفراد، بل هو شر منه وأكثر قذرًا وبشاعة لأنه ليس معنى هذا النوع من الربا إلا أن ثمة رجلًا قد كفله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت