الصفحة 31 من 85

الأحوال وحدوث الكوارث، ويودون أن يكون هذا الربح المالي المعين على أرفع ما يكون من السعر السنوي أو الشهري مما له مضار فادحة عديدة نشير إلى بعضها في ما يلي:

1 -لا يزال معظم رأس المال، بل كله أكثر الأحيان، مدخرًا مرتكزًا في موضع واحد دون أن يتقلب في شأن نافع مثمر لا لشيء إلا لأن الرأسماليين يرجون ارتفاع سعر الربا في السوق. نعم، تكون في الدنيا وسائل كافية قابلة للانتاج، وكذلك يكون في الدنيا عدد غير يسير من طلاب المعاش يهيمون على وجوههم ملتمسين العمل المرتزق لأنفسهم، وكذلك يكون الطلب على أدوات الحاجة ومرافق الحياة موجودًا في الناس، ولكن على كل ذلك لا تكون في الدنيا وسائل الإنتاج ولا يجد العاطلون عملًا يرتزقون منه ولا تستهلك البضائع في الأسواق حسب الطلب الحقيقي. وما كل ذلك إلا لأن الرأسمالي لا يعطي ماله لتجاره أو لصناعة ما دام لا يرجو أن يعود عليه ماله بذلك السعر المرتفع الذي يود أن يناله بماله.

2 -إن الطمع في السعر المرتفع شيء يجعل الرأسمالي يمسك ماله عن جريانه إلى تجارة البلاد وصناعتها وزراعتها، أو لا يفتحه لها إلا وفق مصلحته الشخصية، لا وفق حاجة البلاد، ومضرة ذلك على البلاد كمضرة من لا يفتح ماء ترعته، أو لا يفتحه إلا وفق ما تقتضيه مصلحته الذاتية لا وفق ما تقتضيه حاجة المزارع والبساتين. يستعد لفتح الماء بسعر رخيص على أوسع قدر إذا كانت المزارع والبساتين لا تحتاج إليه، ويرفع سعره على قدر ما تشتد إليه حاجة المزارع والبساتين، ولا يزال يرفعه ويرفعه حتى لا تعود لأصحاب المزارع والبساتين منفعة ما في إرواء أراضيهم بمائه بهذا السعر.

3 -إن الربا وسعره هو الشيء الذي لأجله يصاب نظام التجارة والصناعة بداء"الدوران التجاري" ( Trade Cycle) الذي تنتابه فيه نوبات الكساد والبوار، بدل أن يسير هذا النظام سويًا على طريق مستقيم. وقد فصلنا القول في ذلك في كتابنا"أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة"فلا حاجة بنا إلى إعادتها ههنا.

4 -ثم إن من كرامات"الربا"أن رأس المال لا يرضى أن يتجه إلى أعمال نافعة تشتد إليها الحاجة للمصلحة العامة ما دامت لا ترد على صاحبه بالربح حسب سعر الربا في السوق، ويجري -على العكس من ذلك- متدفقًا إلى أعمال لا تحتاج إليها المصلحة العامة ما دامت تعود على صاحبها بربح مغدق. وبالجانب الآخر أن الربا هو الذي يحمل التجار والصناع ويدفعهم إلى الاستعانة بكل ما تصل إليه أيديهم من الطرق المشروعة وغير المشروعة ليكسبوا أكثر من سعر الربا. وقد سبق لنا القول المفصل في هذه المضرة في كتابنا:"أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة"فلا داعي أيضًا إلى إعادتها ههنا.

5 -يأبى الرأسماليون أن يقرضوا العمال والصناع أموالهم لأجل طويل لأنهم يريدون، في جانب؛ ألا تخلوا أيديهم أبدًا من مقدار كبير من المال قابل للاستغلال في القمار، ويرتؤون، في الجانب الآخر، أنه إذا ارتفع سعر الربا في السوق فيما بعد فإنهم سيخسرون بما يكونون أقرضوا من أموالهم لأجل طويل من قبل. فينتج من كل ذلك أن أصحاب الصناعة والحرف الأخرى يُرغمون طبعًا على سلوك طريق ضيق النظر، وعلى عدم الجرأة في أعمالهم، فلا يأخذون من هؤلاء الرأسماليين إلا ديونًا قصيرة الأجل ويكتفون بأعمال موقتة محدودة النطاق مكان أن يعملوا شيئًا للمصلحة العامة الدائمة والتوسيع في نطاقها. ففي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت