الصفحة 30 من 85

من الجنيهات دونما استهلاك، وينصرف هذا القدر من المال في كل شهر في خلق قروض ربوية جديدة بدل أن يرجع إلى إنتاج البلاد الاقتصادي [1] .

ب- قروض التجار والصناع:

وانظر الآن ما هي المضار التي تبهظ الاقتصاد الإنساني لإباحة الربا على القروض التي يأخذها التجار والصناع وأصحاب الحرف الأخرى لاستغلالها في شؤونهم المثمرة. فمما تقتضيه مصلحة التجارة والصناعة والزراعة وما إليها من الأعمال الاقتصادية الأخرى، أن الذين يشتركون فيها من أي وجه من الوجوه ينبغي أن تكون مصالحهم وأغراضهم وميولهم متحدة متجهة إلى ترقيتها والارتفاع بها، وأن تكون خسارتها خسارتهم جميعًا حتى يسعوا مجتمعين للسلامة من خطرها وإنقاذ أنفسهم من الوقوع فيه، وأن يكون ربحها ربحهم جميعًا ليستفيدوا جهودهم في ترقيتها. فكان مما توجبه المصلحة الاقتصادية من هذه الناحية أن الذين يشتركون في التجارة أو الصناعة أو الزراعة لا بقواهم الذهنية أو البدنية ولكن برؤوس أموالهم فقط، ينبغي أن تكون مشاركتهم أيضًا من هذا النوع نفسه حتى يكونوا على اتصال بها كغيرهم ويسعوا معهم في ترقيتها وإنقاذها من الوقوع في الخسارة. ولكن لما أباح القانون الربا، انفتح على وجوه أصحاب الأموال أن يستغلوا أموالهم في التجارة والصناعة لا من حيث هم شركاء فيها بل على أن يكون منهم دينًا فيها، وألا يزالوا يحصلون كذلك من التجارة أو الصناعة على ربحهم حسب سعر معين سنة فسنة أو شهرًا فشهرًا. فأنت ترى أنه يشترك هكذا في عمل المجتمع الاقتصادي عامل غير فطري لا يهمه قليلًا ولا كثيرًا ربح هذا العمل أو خسارته مثل ما يهم سائر المشتركين فيه. على أن هذا العمل إذا باء بالخسارة ولم يربح، يصيب الخطر جميع العاملين المشتركين فيه إلا هذا العامل غير الفطري، فإنه مضمون بربحه على كل حال: يبذل الجميع مساعيهم ويستنفدون كل ما في وسعهم لإنقاذ أنفسهم من خطر الخسارة، إلا هذا المرابي، فإنه لن يضطرب ما دام لا يحس أن العمل الاقتصادي المشترك قد صدر إلى حد الإفلاس. ولا يقف الأمر عند عدم بذله السعي في إنقاذه من الخطر ومساعدته عند الخسارة حتى عند ساعة الإفلاس، بل تراه -على العكس من ذلك- يسعى سعيه في استرداد ماله عنه نظرًا إلى مصلحته المالية الذاتية. وكذلك لا تهمه -على وجه مباشر- ترقية العمل لزيادة النتاج الاقتصادي لأن ربحه معين على كل حال، فلأي شيء يجهد نفسه ويعمل فكره عبثًا في ترقية هذا العمل وازدهاره وإنجاحه؟ فهكذا لا يزال هذا العامل الاقتصادي العجيب يعطي ماله لتجارة البلاد وصناعتها"بالكراء"وينال منهما كراءه المعين، دونما خوف أو خطر أو خسارة مع اعتزاله عنها اعتزالًا كليًا.

وهذا الطريق الخاطئ قد أقام العلاقة ما بين رأس المال والتجارة على الأثرة والعداوة لا على التعاون والتساند. فالذين بأيديهم الوسائل لجمع المال واستغلاله في أعمال الإنتاج الاقتصادي لا يستغلونه في التجارة أو الصناعة بأنفسهم ولا يشاركون به غيرهم بل الذي يتمنونه ويسعون له دومًا أن ينصرف رأس مالهم في تجارة غيرهم أو صناعتهم أو زراعتهم بصورة الدين حتى يُضمن لهم ربح مالي معين على تقلبات

(1) مما يناسب ذكره في هذا المقام أن قدر عن الهند قبل التقسيم -سنة 1945 - أن قروض المرابين فيها بالغة ألف مليون روبية على الأقل. فإذا كان هذا عن قطر واحد فقط، فلك أن تقدر به ما يكون قد بلغته قروض المرابين في الدنيا كلها وما يناله هؤلاء المرابون كل شهر من الربا باعتبار سعرها الذي يجري عليه التعامل، كما بينا آنفًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت