الصفحة 29 من 85

بين 250 و400% سنويًا، وقد تمت فيها بعض المعاملات الربوية بسعر 1200% أو 1300% سنويًا. وإن سعر الربا المسموح به رسميًا للمرابي في أميركا، هو بين 30 و60% سنويًا، ولكن المعاملات الربوية إنما تجري فيها عامة بسعر 100 - 260% سنويًا بل قد يرتفع هذا السعر أحيانًا إلى 480%. وما أحلم وأكرم المرابي الذي يقرض مدينه بسعر 48% سنويًا في بلادنا الهندية، وإلا فإن السعر الذي تجري به المعاملات هو 75% قد يرتفع إلى 150% سنويًا، بل قد تمت فيها بعض المعاملات الربوية بسعر 300 و350% سنويًا بعض الأحيان.

فهذه هي الآفة الشاملة التي ترزح تحتها اليوم الأغلبية العظمى من الطبقات الفقيرة والمتوسطة في كل قطر من أقطار العالم، وهي تمكن الرأسمالي من الجزء العظيم من دخل العمال القليلي المعاش وتجعله مستبدًا به دونهم، حتى أنهم لا يكادون يجدون من رواتبهم ومشاهراتهم التي ينالونها بعرق جبينهم ووصل ليلهم بنهارهم ما يقيمون به أود حياتهم، لأن المرابي يضع يده على معظمها قبل، وذلك مما لا يفسد أخلاقهم وينجرف بهم إلى ركوب الدنايا واقتراف الجرائم فحسب، ولا يحط من مستوى معيشتهم ومستوى التعليم والتربية لأولادهم فحسب، بل من نتائجه أيضًا أن الهموم والأحزان لا تزال تهجهم على العمال وتؤثر في كفاءتهم ونشاطهم الذهني والبدني فلا يكادون ينشرحون صدرًا بأعمالهم ويقومون بها في نشاط كامل. فمن هذه الوجهة ليس هذا النوع من التعامل الربوي بظلم فحسب، بل فيه أعظم ما يكون من الضرر على الاقتصاد الاجتماعي. إن الجماعة تسلط العلق على الذين هم العاملون الحقيقيون لإنتاجها ولا تنتج الثروة التي عليها مدار رفاهتها الاجتماعية إلا بجهودهم! تقولون إن الملاريا تخسركم كذا وكذا من إنتاجكم الاقتصادي، ومن ثم تنقضون على البعوض المسكين وتستنفدون جهودكم لإبادته وقطع شأفته، ولكن ما لكم لا تقدرون إلى أي حد يقلق مرابوكم العمال في مصانعكم ومعاملكم وينغصون عليهم صفو حياتهم ويكسرون قلوبهم ويهنون عزائمهم ويقتلون فيهم عاطفة الجد والنشاط في عملهم، وأي أثر سيء يتركه ذلك كله في إنتاجكم الاقتصادي؟ بل لقد بلغت حماقتكم وانعكست عقليتكم في هذا الباب أنكم بدل أن تستعملوا شيئًا من استئصاال شأفة هؤلاء المرابين، لا تأخذون إلا المدينين، وتعصر محاكمكم من أجسادهم ما لا يقدر المرابي أن يعصره بنفسه من دماء أجسادهم؟

والمضرة الاقتصادية الثانية لهذا النوع الربوي أن المرابي يسلب به آخر ما يبقى عند الطبقة الفقيرة من قوة الشراء.

لقد كانت بطالة مئات الألوف من البشر، والدخل الزهيد لملايين منهم، عادت منذ ذي قبل عرقلة شديدة في سبيل ترقية تجارة البلاد وصناعتها، ولكنكم على كل ذلك وجهتهم أصحاب الدخل الوافر إلى طريق عدم الانفاق وادخار أكثر ما يقدرون على ادخاره من أموالهم وثرواتهم، فذلك ما زاد الطين بلة وضاعف المضرة على تجارة البلاد وصناعتها. وأضف إلى ذلك أنه إذا حصلت بعض قوة شرائية عند هؤلاء الملايين من الفقراء بدخلهم القليل وأجورهم غير الكافية، فإنهم لا يستطيعون أن يشتروا بها أدوات الحاجة ومرافق الحياة اللازمة، فإن المرابي يسلبهم معظمها ثم لا يستهلكها في اشتراء البضائع والخدمات ولكن ليزيد على المجتمع قروضًا تجلب مزيدًا من الربا إلى خزانته. تفكروا قليلًا وقدروا أنه إذا كان في الدنيا كلها خمسون مليون رجل ممن ساقهم القدر إلى الوقوع في مخالب المرابين يؤدي كل واحد منهم جنيهًا فقط في كل شهر، فمعناه أن الدنيا يبقى فيها في كل شهر من البضائع ما قيمته خمسون مليونًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت