وعلينا أن ننظر الآن في هذه المسألة من الناحية الاقتصادية.
إن الربا إنما يتعلق من نواحي الحياة الاجتماعية بما يجري فيه التداين بين الناس على مختلف صوره وأشكاله. والقروض على أنواع:
قروض يأخذها الأفراد المحتاجون لقضاء حاجاتهم الذاتية. وقروض يأخذها التجار والصناع وملاك الأراضي لاستغلالها في شؤونهم المثمرة.
وقروض تأخذها الحكومات من أهالي البلاد، وهي على نوعين: نوع يكون لأغراض غير مثمرة كالقروض الحربية ونوع يكون لأغراض مثمرة كالقروض التي تؤخذ للقيام بمشاريع الترع والسكك الحديدية والكهرباء المائية وما إليها.
وقروض تأخذها الحكومات من أسواق المال في البلاد الأخرى لقضاء حاجاتها.
فلننظر في كل نوع من هذه الأنواع على حدة، ونتبين مدى الضرر فيه إذا جرى فيه العمل بالربا.
1 -قروض ذي الحاجة:
والذي تحصل فيه المراباة على أوسع نطاق من الشؤون الاقتصادية هو المسمى بمهنة المرابي ( Money -Lending Business) وهذه آفة عالمية ما سلم من شرها أي قطر من أقطار العالم، لأن هذه الأقطار ما بذلت اهتمامًا لتهيئة الظروف التي ينال فيها الفقراء والمتوسطون القرض بسهولة عند الشدائد والطوارئ، أو ينالونه بالسعر التجاري على الأقل إن كانوا لا ينالونه بدون الربا. وذلك أمر تعتبره كل حكومة خارجًا من دائرة واجباتها ولا يكاد المجتمع الإنساني يشعر بهذه الحاجة الملحة، ولا تقوم المصارف إلا بمعاملات كبيرة للقرض تعود عليها بأموال وافرة ومنافع واسعة، على أنه لو كانت أبواب المصارف مفتوحة للفقراء والمنكوبين، لما كان من الممكن لرجل قليل المعاش أن يتوجه إلى المصرف لحاجة موقتة مفاجئة ويقضي منه حاجته. فمن أجل ذلك تجد الفلاحين والعمال والتجار الصغار والموظفين ذوي الرواتب القليلة وعامة الفقراء في كل قطر من أقطار العالم مضطرين إلى أن يستقرضوا عند الشدة من المرابين الذين يجدونهم يحلقون كالنسور في جو كل مدينة أو قرية يبحثون عمن يقع في مخالبهم. ولا تسل عن فداحة السعر الربوي الرائج في هذا النوع من القروض، فكل من وقع في شرك المرابي مرة، لا يكاد يتخلص منه طول حياته بل لا يزاال الأبناء والأحفاد يتوارثون على ظهورهم ربا هذا الدين عن آبائهم وأجدادهم، ولا تزال صخرته جاثمة على صدورهم، وقد لا يتخلصون منه بعد ما يؤدون عليه من الربا ما يكون أكبر من رأس المال بمرات عديدة، وقد شوهد مرارًا أن المدين إذا كان لا يستطيع أداء الدين مدة من الزمان جمع الدائن بين ما له على مدينه من رأس المال والربا وأقرضه هذا المدين نفسه بسعر أكبر ليسترد منه ماله مع رباه وذلك ما يجعل المسكين أسوأ حالًا منه من ذي قبل. وسعر الربا المشروع الرائج في انكلترا لمهنة المرابي هو 48% سنويًا على الأقل حيث يجوز للدائن أن يتقاضاه المدين بالمحاكمة. وأما السعر العام الذي تجري عليه المعاملات الاقتصادية فيها فعلا، فهو يتراوح