الصفحة 22 من 85

من الثروة التي قد تبقى مرتكزة على كل هذا يصل إلى من يكون نصيبهم من دوران الثروة قليل. ولكنكم تُطمّعون الناس في الربا وتذكون فيهم نار بخلهم الطبيعي وتحثون الذين ليسوا بالبخلاء منهم على أن يجمعوا المال بدل أن ينفقوه في اشتراء أدوات حاجاتهم. ثم إن كنتم تأتون إلى السوق بما يجتمع بهذا الطريق الخاطئ المناقض للمصلحة الجماعية من المال تبتغون به الأرباح، فإنما تأتون به إليه من طرق الربا، وهو ظلم آخر منكم للمصلحة الجماعية. ونقول إن هذه الثروة المجموعة لو وظفها الرأسمالي في التجارة على أن ينال نصيبه مما تعود به هذه التجارة من الربح على نسبة معلومة، لما كان بذلك بأس البتة ولكنكم إنما تأتون به إلى السوق على أن يحصل الرأسمالي على كذا في المائة من الربح شهريًا أو سنويًا سواء أربحت التجارة أم خسرت وسواء أكان ربحها كثيرًا أم قليلًا، فهكذا أصبتم الاقتصاد الاجتماعي بالمضرة مرتين: مرة بأنكم أمسكتم المال ولم تنفقوه في اشتراء بضائع الجماعة ومنتجاتها من السوق، وأخرى بأنكم إذا رجعتم المال إلى الاقتصاد الجماعي، ما رجعتموه إليه على مبدأ المشاركة والمضاربة بل أقرضتموه تجارة الجماعة وفرضتموه عليها فرضًا حيث قد ضمن له قانونكم بالربح اليقيني الدائم فكأن الذي عليه الحال الآن لأجل نظامكم الاقتصادي الخاطئ، هو أن كثيرًا من أفراد المجتمع يمسكون ما بأيديهم من قوة الشراء ويقرضونه للمجتمع نفسه بصورة (الدين الربوي) بدل أن يصرفوه إلى اشتراء منتجات الجماعة، وقد أصبح المجتمع المسكين حيران -ولا يزال يزداد حيرة فوق حيرته- لا يدري كيف يخلص نفسه من أداء هذا الدين مع رباه لأن البضائع التي ينتجها بهذا المال لا تستهلك في السوق إلا بصعوبة شديدة وإن هذه الصعوبة لا تزال تشتد يومًا فيومًا، فإنها لا يشتريها مئات الألوف من الناس لأنهم لا يجدون عندهم المال، ولا يشتريها ألوف منهم لأنهم يمسكون ما عندهم من قوة الشراء ليولدوا بها مزيدًا من المال ويقرضوه غيرهم من أفراد الجماعة بالربا. تقولون إن من فوائد الربا أن الرجل التاجر يضطر لأجله أن يتجنب الإسراف في إنفاق المال ويجتهد أن يستعمله في أنفع الطرق وأعودها عليه بالربح. تقولون إن من كرامة سعر الربا أنه هو الذي يقوم بمهمة إرشاد التجارة إلى أقوم الطرق وأنسبها بكل هدوء وطمأنينة وأنه ليس إلا من فضله أن المال ينتخب لجريانه أنفع الطرق التجارية الممكنة. ولكن الحق أنكم إذا أزحتم الستار عن وجه قولكم المزخرف هذا، ظهرت لكم الحقيقة الناصعة من تحته، وهي أن أول خدمة أنجزها الربا للإنسانية أن حاول إنساءها كل تفسير ممكن لكلمتي"الربح"و"المنفعة"إلا تفسير واحد وهو"الربح المالي"و"المنفعة الاقتصادية"فهكذا قد نال المال ما كان يفقده من قبل، من الانقطاع والتفرد، فهو إذا كان من قبل قد ينتقل إلى طرق يحصل منها ربح غير الربح المالي فقد أصبح الآن لا يتوجه إلا إلى طرق يكون فيها على يقين تام من الربح المالي، ثم إن الخدمة الثانية التي أسداها الربا إلى الإنسانية بفضل سعره، أن أصبحت منفعة الرأسمالي وحده -لا ربح المجتمع بأجمعه- هي المقياس لاستغلال المال. وصار يعد من منافع الربا مساعدته للرأسمالي على أن يقضي في نفسه أن لا ينفق ماله إلا في صناعة أو تجارة راجعة عليه بربح قدره 6% سنويًا -مثلًا- أو أكثر، ويرى أن ليست كل تجارة أو صناعة ترجع عليه بأقل من هذا القدر من الربح، بقابلة أصلا لأن يوظف فيها شيئًا من ماله. فلنفرض الآن -على سبيل المثال- أن الرأسمالي يعرض له مشروعان: مشروع لبناء مساكن تكون في الوقت نفسه مريحة السكنى ورخيصة الكراء حتى يتمكن الفقراء من استئجارها بكل سهولة، ومشروع آخر لبناء عمارة فخمة للسينما. فأما المشروع الأول، فإنما يرجع عليه بربح قدره أقل من 6% سنويًا، وأما المشروع الثاني فيرجى منه ربح قدره أكثر من 6% سنويًا. نعم لقد كان من الممكن من قبل أن يوجه الرأسمالي ماله إلى المشروع الأول، أو أن يحس بحاجة إلى الاستخارة مترددا بين المشروع الأول والثاني، ولكن من فضل سعر الربا أنه يهتدي بدون أدنى تردد أو تريث إلى طريق المشروع الثاني دون أن يعير المشروع الأول أي التفات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت