الصفحة 23 من 85

أو اهتمام. ثم إن من كرامة سعر الربا أنه يحمل للرجل التاجر أو الصانع، بل يضطره اضطرارًا إلى أن يستنفد كل ما في وسعه من الجهود في أن يكون ربحه من تجارته أو صناعته -على كل حال- فوق الحد الذي قد رسمه له الرأسمالي، وألا يبالي في هذه السبيل بما يسلكه من طرق مخالفة للمروءة والأخلاق. فمثلا إذا كان هناك رجل قد أنشأ شركة للفيلم بمال استقرضه بالربا بسعر 6% سنويًا، فلا بد أن يختار لنفسه من الطرق ما يبقي به ربحه على كل حال أكثر من هذا السعر؛ فهو إذا لم يحصل له ذلك بإنشاء الأفلام ذات الروايات النزيهة من الوجهة الخلقية والنافعة من الوجهة العلمية، يضطر إلى إنشاء الأفلام ذات الروايات الخليعة الداعرة ويحاول تزيينها في أعين الناس وإعلانها فيهم بطرق تثير عواطفهم السفلى وتنجرف بهم إلى دار السينما لرؤيتها دون أن يبالوا بشيء من الأخلاق والشرف والفضيلة.

فهذه هي حقيقة المنافع التي تحصل عندكم بالربا ولا سبيل لحصولها بغير الربا. وعليكم أن تستعرضوا الآن"الحاجة"التي تدعون أنه لا يمكن سدها بشيء غير الربا.

لا شك أن الدين من حاجات الحياة الإنسانية يحتاج إليه الأفراد في حاجاتهم الشخصية، ويكثر عليه الطلب دائمًا في التجارة والصناعة والزراعة وغيرها من الشؤون الاقتصادية، كما أن المؤسسات الاجتماعية -وفيها الحكومة نفسها- تكون دائما في حاجة شديدة إليه، ولكن من الخطأ القول بأن حصول الدين بغير الربا أمر مستحيل، لأن الأمر لم يؤل إلى هذا الوضع السيء الذي لا يحصل فيه الدين بغير الربا للأفراد ولا للأمم إلا لأنكم أبحتم الربا بموجب القانون، حرموه أولًا وتبنّوا مع الاقتصاد ذلك النظام الذي قد جاء به الإسلام للأخلاق، تجدوا كيف ينهال القرض بكل سهولة وبكل كثرة للحاجات الشخصية والاجتماعية بدون الربا، بل وكيف تنهال العطايا والمنح على الأفراد والأمم من كل جانب، وقد برهن الإسلام على ذلك فعلا. قد ظل المجتمع الإسلامي لقرون عديدة يسير شؤون اقتصاده على أحسن ما يتصور من الطريق بدون الربا وما جاء عليه قبل هذا العصر الربوي النجس حين من الدهر يكون قد مات فيه رجل مسلم ثم بقي بدون كفن ولا دفن لأن وارثه ما نال بالقرض بدون الربا، أو تكون صناعة المسلمين وتجارتهم وزراعتهم قد باءت بالخسارة والبوار لا لشيء إلا أنه ثبت أن حصول القرض الحسن حسب حاجاتهم التجارية والصناعية والزراعية مستحيل، أو تكون الحكومات الإسلامية ما نالت الأموال لمشاريع كانت تنويها للمصلحة العامة أو للإنفاق في الجهاد لا لشيء إلا لأن الأمة ما رضيت أن تقرضها بدون شيء من الربا. فإذن لا تحتاج دعواكم هذه -أي أن القرض الحسن شيء مستحيل لا يمكن تحققه والعمل به وأنه لا يمكن أن يقوم بناء الأقراض والاستقراض إلا على أساس الربا فقط- إلى رد منطقي، فإننا قد أثبتنا خطأه بتعاملنا الاجتماعي إلى عدة قرون متوالية.

أما كيف يمكن فعلا حصول الدين لحاجات هذا الزمان الاقتصادية بدون الربا، فهو بحث لا يدخل في موضوع هذا الباب، وسنتكلم عليه في الفصول الآتية من هذا الكتاب إن شاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت