الصفحة 21 من 85

هذا، وتعال نستعرض الآن كل واحد من هذه"المنافع"و"الحاجات"المذكورة ونبين هل هي حقًا منفعة وحاجة أم لا يعدو أمرها أن تكون وسوسة من الشيطان؟

إن أول خطأ يرتطم فيه الاقتصاديون في الغرب اليوم هو ظنهم أن تقصير الأفراد في الإنفاق وجمعهم المال شيء لا مندوحة عنه لحياتهم الاقتصادية. مع أن الحقيقة على العكس من ذلك وهي أن الرقي والرفاه الاقتصادي إنما يتوقف بمجموعة على أن يظل يباع ويستهلك في السوق كل ما ينتجه المجتمع بمجموعة من أدوات المعيشة كيما تظل دورة الإنتاج والاستهلاك تسير بسرعة واتزان، ولا يمكن أن يحصل هذا إلا إذا كان من عادة الناس عامة أن ينفقوا ما ينالون من الثروة أثناء سعيهم الاقتصادي بسعة قلوبهم إلى درجة إنهم إذا نالوا من الثروة ما يزيد عن حاجاتهم حولوه إلى الفقراء والمعوزين من أفراد الجماعة ليمكنوهم من الإسهام إلى جانبهم في اشتراء مرافق حياتهم اللازمة. ولكنكم تلقنون الناس -بالعكس من ذلك- أن الذي ينال من الثروة ما يزيد عن حاجاته فليمسكه، وأن من ينال منها ما يكفي لحاجاته فليبخل به، وهذا ما تعبرون عنه بكلمات"ضبط النفس"والإيثار وغيرهما، وليكف نفسه عن قضاء كل ما أمكنه ألا يقضيه من حاجاته وأن على كل فرد من أفراد الجماعة أن يجمع عنده أكثر ما يقدر على جمعه من المال وذلك ما تعدون من نفعه أن رأس المال يرتكز في أيد قليلة، فيُسخر لترقية التجارة والصناعة والارتفاع بشأنهما. ولكن الحق أن ذلك شيء ضار بدل أن يكون نافعًا، فإن من مضاره أن البضائع الغاصة في السوق يبقى معظمها بدون أن يشتريها الناس لحاجاتهم، لأن الذين لهم قدرة محدودة على الشراء لا يستطيعون أن يشتروا كثيرًا من أدوات حاجاتهم لعدم قدرتهم على اشترائها، وأما الذين يستطيعون أن يشتروها على قدر حاجاتهم، فلا يشترون الجزء الأعظم من المنتجات على كونهم قادرين على اشترائها بغية التوفير وأما الذين عندهم من قوة الشراء ما يزيد عن حاجاتهم، فيأبون أن يحولوه إلى غيرهم ممن تعوزهم ويمسكونه عندهم. فإذا بقيت الحال على هذا في كل دورة اقتصادية مدة من الزمان وظل من عندهم من قوة الشراء ما يكفيهم أو يزيد عن حاجاتهم لا يستفيدون معظمها في اشتراء المنتجات الموجودة في السوق ولا يعطونه غيرهم ويمسكونه ويبخلون به فإنه لا يكون من نتيجة كل ذلك إلا أن يبقى في كل دورة الجزء الأكبر من إنتاج الجماعة الاقتصادي كاسدًا. ثم إن قلة استهلاك المال هذه تؤثر تأثيرًا غير محمود في معاش الناس، مما يؤول طبعًا إلى النقص في دخلهم وإن هذا النقص في دخلهم لا يزال يحدث النقص ويوسع دائرته في استهلاك البضائع حتى يسبب اجتماع المال عند شرذمة قليلة من أفراد الجماعة، والبؤس والشدة والفقر والفاقة عند أغلبية أفرادها، مما ينغص راحة هؤلاء الأفراد القليلين ويكدر صفو حياتهم في آخر الأمر، لأن الثروة التي يجمعونها ويوظفونها للاستثمار المزيد بدل أن ينفقوها في اشتراء البضائع وأدوات الحاجة الغاصة بها السوق، أين يمكن أن يباع ويستهلك ما ينتجون بها من المنتجات؟

وإذا تفكرت في هذه الحقيقة، علمت أن حاجة الإنسانية الاقتصادية الحقيقية هي إزالة الأسباب التي لأجلها يميل الناس إلى جمع الثروة والبخل بها بدل أن ينفقوها أو يعطوها غيرهم من ذوي الحاجات. وما يقتضيه فلاح الجماعة الاقتصادي أن يعمل -في جانب- على نطاق اجتماعي على خلق ظروف يطمئن فيها الناس بنيل العون والمساعدة عند حاجاتهم وشدائدهم حتى لا يشعروا بحاجة إلى جمع المال أصلًا. وفي الجانب الآخر ينبغي أن تفرض الزكاة على الثروة وكنزها وإمساكها عندهم؛ وأن لا يزال جزء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت