الصفحة 16 من 85

والذي يكون نصب عين المرابي عامة في المعاملة الربوية، هو ما يكون عليه المقترض من الفقر والبؤس والاضطرار وأنه إلى أي حد تسوء حاله إن لم ينل منه الدين. فعلى أساس هذه الأمور يقضي الدائن في نفسه، ماذا ينبغي أن يُطالب به المدين من الربا؟ فإن لم يكن فقره شديدًا وحاله سيئة وكان لا يستقرض مالًا كثيرًا، كان سعر الربا قليلًا، ولكن بالعكس من ذلك إن سعر الربا يرتفع على قدر ما يكون فقره مدقعًا وحاله سيئة وحاجته إلى الدين شديدة حتى إنه إذا كان لرجل فقير ولد عند الاحتضار وهو لا يجد في جيبه من المال ما يمسك به رمق حياته فيضطر أن يذهب إلى هذا المرابي واستقراضه شيئًا من المال، فليس أي سعر كبير للربا يطالبه إلى هذا المرابي واستقراضه شيئًا من المال، فليس أي سعر كبير للربا يطالبه به بسعر"غير معقول"ولو بلغ 400 أو 500%.

أما الأسس التي يعين التجار ويرفعون أو يخفضون عليها سعر الربا في سوق المراباة، فللاقتصاديين فيها مذهبان.

تقول طائفة منهم إن قانون"العرض والطلب"هو أساسه. فإذا قل الراغبون في استغلال المال وكثرت الأموال القابلة للإقراض، يكون سعر الربا منخفضًا، بل لا يزال ينخفض، حتى إذا انخفض كثيرًا، انتهز الناس الفرصة السانحة وبدؤوا يستقرضون المال لاستغلاله في تجاراتهم أو صناعتهم. ثم بدأ طلب المال يشتد، والأموال القابلة للإقراض تقل، بدأ سعر الربا يرتفع حتى يبلغ الحد الذي ينتهي عنده الناس عن استقراض المال.

فما معنى ذلك؟ معناه أن الرأسمالي يأبى أن يعامل الرجل التاجر أو الصانع معاملة المشاركة ويجعل لنفسه نصيبًا من ربحه الحقيقي على الوجه المعروف المعقول، وإنما يقول على وجه التخمين: إن هذا الرجل الذي يقترض مني المال سيحصل على كذا وكذا من الربح في تجارته، فينبغي أن أنال على ما أقرضته من مال كذا وكذا من الربا. وفي الجانب الآخر يعمل الرجل التاجر أيضاُ فكرته ويقدر على وجه التخمين أن المال الذي أخذه من هذا الرأسمالي، من الممكن أن أنال منه كذا وكذا من الربح على الأكثر، فلا ينبغي أن يكون الربا أكثر من كذا وكذا. فكأن كلًا منهما لا يعول إلا على التخمين والحرص: يبالغ الرأسمالي دائمًا في تخمين الربح الحاصل من التجارة ولا يغيب عن ذهن التاجر الذي يستغل المال في التجارة بالاستقراض أبدًا ما قد يصيب التجارة من الخسارة والبوار مع رجائه في الربح. فمن أجل ذلك لا يزال شيء كالمشاكسة والمصارعة يحصل بينهما مكان أن يكون بينهما التعاون والتناصر. وذلك أن التاجر عندما يريد أن يوظف المال في التجارة على رجاء منه في الربح يوقع الرأسمالي قيمة ماله، ولا يزال يرفعها حتى لا يكاد أحد من التجار يرجو الربح من التجارة إذا ما وظف فيها المال بالاستقراض بهذا السعر الغالي. وعلى هذا يمسك التجار أيديهم عن توظيف المال في تجارتهم ويقف سير الرقي الاقتصادي دفعة واحدة. ثم عندما تنتاب العالم التجاري نوبة شديدة من الكساد ويجد التاجر نفسه قائمًا على شفا حفرة من الهلاك، يخفض المرابي سعر الربا إلى درجة تجعل التجار والصناع الموظفين المال في تجاراتهم وصناعاتهم بالاستقراض يرجون بعض الرجاء في الربح فيبدأ رأس المال يَرِد سوق التجارة والصناعة مرة أخرى. فالظاهر من هذا أنه لو كان التعاون بين رأس المال والتجارة على الشروط المعقولة لسار وما زال يسير نظام الدنيا الاقتصادي على الطريق السوي بالأمن والسلامة، ولكنه لما فتح القانون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت