باب المراباة للرأسمالي، سرت روح القمار والميسر في ما بين رأس المال والتجارة من العلاقة، وبدأ ينخفض سعر الربا مرة ويرتفع أخرى، على نحو ما يحصل في القمار والميسر، وهكذا لا تزال حياة الدنيا الاقتصادية مصابة بأزمة شديدة دائمة.
وتقول طائفة أخرى إن الرأسمالي عندما يؤثر أن يبقي ماله تحت يده حتى يستغله إذا شاء، يرفع عليه سعر الربا، ولكنه عندما تخف في نفسه هذه الرغبة -في أن يبقي ماله تحت يده ولا يستغله إلا هو نفسه- فإنه يخفض عليه سعر الربا. وأما"لماذا يؤثر الرأسمالي أن يبقي النقد تحت يده"؟ فجواب هؤلاء القوم عليه: أن لذلك أسبابًا الأول منها أنه لا بد أن يكون عند الرأسمالي قدر من المال في كل حين لبعض حاجاته الشخصية أو التجارية. والثاني أن الرأسمالي يجب أن يكون عنده مقدار من المال للأحوال الطارئة والحاجات المفاجئة كاتفاق غير عادي في أمر شخصي أو صفقة رابحة قد تعرض له على غير حسبان منه. والثالث -وهو أهم هذه الأسباب- أن الرأسمالي يجب أن يكون عنده في كل حين مبلغ كبير من النقد ليستفيد به إذا ما قل النقد وارتفع سعر الربا في السوق في المستقبل. ولكن السؤال الذي ينشأ بهذا الصدد هو: هل هذه الرغبة -في أن يبقى عنده في كل حين من المال ما ينتفع به في الأحوال غير العادية- التي تنشأ في قلب الرأسمالي، هل تعتريها الخفة والشدة حتى يظهر أثرها بصورة ارتفاع سعر الربا وانخفاضه في السوق؟ فيقولون جوابًا على هذا: نعم إن هذه الرغبة تشتد مرة لمختلف الأسباب الشخصية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فعندئذ يرفع الرأسمالي سعر الربا وهكذا تحدث القلة في المال الوارد على التجارة. وقد تخف فيه هذه الرغبة لأسباب أخرى مثلها، فعندئذ يخفض سعر الربا وهناك يبدأ الناس يستقرضونه المال بكثرة لاستغلاله في التجارات والصناعات.
لعمر الحق إنك إذا دققت النظر في هذا التأويل المليح في ظاهره، وجدت أن لا أساس له من الحقيقة، لأن الحاجات البيتية والحاجات التجارية الشخصية لا تتأثر على أساسها رغبة الرأسمالي -رغبته في أن يحتفظ عنده في كل حين من أحيانه بقدر من المال -في أكثر من 5% من رأسماله في جميع حالاته المادية وغير المادية، فلا عبرة بالسببين الأولين أصلًا. وإنما السبب الذي لأجله يمسك الرأسمالي 95% من ماله مرة ويدفعه أخرى إلى سوق الدّين، إنما هو السبب الثالث فقط، وأنت إذا جزأت هذا السبب تبين لك أن الرأسمالي لا يزال ينظر بعين ملؤها الأثرة وسوء النية في ما يطرأ على الدنيا وعلى بلاده ومجتمعه من الحوادث والتغيرات، فتارة تلمح خلال هذه الأحوال آثارا مخصوصة يجب على أساسها أن يبقي عنده دوما ذلك السلاح الذي يتمكن به من استغلال مصائب المجتمع وآفاته ومشاكله ويضيف إليها أمثالها حتى يزداد مع الأيام رفاهية وتمولًا. فيمسك عنده المال للقمار ويرفع عليه سعر الربا ويمتنع دفعة واحدة عن أن يدفع ماله إلى تجارة أو صناعة ويفتح على المجتمع باب الكارثة المعروفة بكساد التجارة. حتى إذا ما وجد نفسه قد قضى وطره إلى آخر غاية يستطيعها من أكل الحرام، ولم يبق أمامه أي إمكان آخر للفائدة، ورأى أن قد اقترب من حد الخسارة والبوار، خفت في نفسه الخبيثة الرغبة في إمساك المال فنادى في المشتغلين بالتجارة يغريهم بقلة سعر الربا أن هلموا إليّ عباد الله فإن عندي مقدارًا وافرًا من المال تأخذونه مني بالسعر الزهيد.
إن هذين التأويلين لهما اللذان جاء بهما الاقتصاديون الجدد في هذا الزمان لسعر الربا، وهما تأويلان لا يساورنا الريب في صحتهما في ذاتهما، إلا أن السؤال الذي يثور بهذا الصدد، هو: كيف يتعين أن السعر"المعقول الفطري"للربا بأي من هذين التأويلين؟ فإما أن نبدل مفاهيم كلمات العقل والمعقولية