الصفحة 14 من 85

فتلك هي الدلائل والبراهين التي يعرضها محامو المراباة لإثبات مشروعيتها بموجب العقل والعدل. وقد علمت من انتقادنا لها أن العدل والمعقولية لا علاقة لهما أصلًا بهذا الشيء الخبيث. والحقيقة أنه لا يمكن أن يثبت -ولو بأي دليل قوي- وجه الصواب في الربا لا في أخذه ولا في أدائه، ولكن من العجب العجاب أن هذا الشيء على قدر ما كان منافيًا للمعقولية، قد عده العلماء والمفكرون في الغرب من الأمور المسلم بها بداهة، فهم بعد أن فرضوا معقولية الربا حقيقة ثابتة مفروغًا من أمرها، ضيقوا نطاق بحثهم في أن سعر الربا"معقول". وقلما نجد في مؤلفات أهل الغرب المعاصرين بحثًا في: هل الربا في حد ذاته شيء جدير بالأخذ والأداء أم لا؟ وإنما تكون البحوث التي تحتويها مؤلفاتهم في معظم الأحوال في أن"هذا"-سعر غير معقول ومتجاوز للحد وهو هدف للاعتراض، أو أن"ذلك"سعر معقول وجدير بالقبول والرضى. ولكن .. هل هناك سعر للربا يمكن أن يعقد معقولًا؟ ولنضرب الصفح قليلًا عن أن الشيء الذي لا يمكن إثباته معقولًا في حد ذاته، لا يكاد ينشأ السؤال عن كون سعره شيئًا أصلًا. وإنما نريد -بصرف النظر عن هذا السؤال- أن نعرف أن سعر الربا يمكن أن يعد شيئًا فطريًا ومعقولًا؟، وما هو المقياس الذي تقاس به معقولية"هذا"السعر وعدم معقولية"ذلك"؟ وهي يتعين سعر الربا في التعامل الربوي الجاري في الدنيا على أساس عقلي ( Rational) في حقيقة الأمر؟ وإذا دققنا النظر في هذا السؤال عرفنا، كحقيقة ثابتة، أن الدنيا ما وجد فيها للآن شيء يعرف"بالسعر المعقول للربا"فإن مختلف الأسعار قد قررت أسعارًا معقولة في مختلف الأزمان، ثم قررت نفسها أسعارا غير معقولة في مكان آخر فقد كان 15 إلى 60% سنويًا سعرًا معقولًا مشروعًا في العهد الهندوكي القديم على حسب ما صرح به فيلسوفهم الكبير كوتلية ( Coutilya) بل كان يرتفع عنه بعض الأحيان إذا كان الخطر أكثر. وإن المعاملات المالية كانت تعقدها الولايات الأهلية الهندية مع المرابين الوطنيين في جانب ومع شركة الهند الشرقية الانكليزية ( East-Indian Company) في الجانب الآخر في الشطر الأخير من القرن الثامن عشر والشطر الأول من القرن التاسع عشر، كان سعر الربا فيها عامة 48% سنويًا وقد نالت الحكومة الهندية القروض الحربية في الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918) بسعر 3,5% سنويًا، وقد ظل سعر الربا في الشركات التعاونية في ما بين سنة 1920 و1930 يتراوح بين 12و15% سنويًا عامة وقد ظلت محاكم البلاد في ما بين 1930 و1940 تحكم بأن سعر الربا على نحو 9% سنويًا سعر معقول عادل. وقد تقرر سعر الربا في مصرف الإصدار الهندي ( Reserve Bank of India) 3% سنويًا وعليها ظل أثناء زمن الحرب كله بل ظلت الحكومة تنال القروض بسعر 2,75% سنويًا أيضًا.

هذا ما عليه الحال في قارتنا الهندية. وإنك إذا نظرت نظرة في ما عليه الحال في البلاد الأوربية، وجدته لا يختلف عنه اختلافًا كبيرًا، فقد تقرر في انكلترا في أواسط القرن السادس عشر أن 10% سنويًا سعر معقول للربا، وما زالت بعض المصارف المركزية في أوربة حوالي سنة 1920 تجري معاملاتهم الربوية على سعر 8 أو 9% سنويًا وإن القروض التي نالتها الولايات الأوربية في هذا العهد بواسطة هيئة الأمم المتحدة، كان سعر الربا فيها يساوي هذا القدر تقريبًا، ولكنك إذا ذكرت اليوم هذا القدر من سعر الربا لأهل أوربة وأميركا صاحوا في وجهك وقالوا ما هذا بسعر للربا ولكنه سلب للناس أموالهم وحيث توجهت اليوم وجدت سعر الربا 2,5 - 3% سنويًا وأكبر سعر للربا يوجد اليوم في العالم لا يزيد عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت