وراء المساعي والجهود التي يبذلها في الحاضر؟ هل يبتغي بها سوى أن يكون مستقبله باسمًا سعيدًا؟ أليس الإنسان يستنفد كل ما تنتجه جهوده اليوم من الثمرات كيما يقضي الأيام الآتية من حياته براحة أكثر وطمأنينة أوفر مما يلقاه أيام حياته الحاضرة. وما أمعن في الغباوة والسفاهة ذلك الرجل الذي يؤثر أن يجعل حياته الحاضرة ذات رفاهة وتنعم على أن يكون مستقبله سيئًا أو أسوء من حاضره. أما أن يصدر ذلك من الإنسان على جهل منه أو سفاهة أو لكونه قد غلب على أمره من شهوة موقتة مفاجئة، فلا حجة به، وإلا فمن المستحيل أن يقول بصحة هذا الرأس ومعقوليته رجل يكون قد أوتي حظأ من التفكر والتأمل.
ثم إننا نسلم بدعواهم القائلة بأن الإنسان لا يرى بأسًا في أن يتحمل الضرر في المستقبل ليكون رغيد العيش مطمئن البال في الحاضر، ولكن لا يمكن أن يصح -بوجه من الوجوه- الاستدلال الذي يقيمون بناءه على هذه الدعوى. وإذا قلنا أن قيمة 100 ليرة حاضرة في التداين الربوي تساوي 103 ليرة بعد مدة سنة، فماذا ستكون صورة الواقع بعد مضاء هذه السنة أي عندما يذهب المدين إلى الدائن ليرد إليه ماله؟ أو ما تساوي 103 في الحاضرة 200 ليرة في الماشي؟ بل هل لا تكون 106 ليرة في الحاضر مساوية لـ 100 ليرة في الماضي البعيد إن لم يقدر هذا المدين المسكين أداء دينه في العام القاد وأدّاه إليه بعد سنتين؟ فهل هذه هي النسبة بين قيمة الحاضر والماضي؟ وهل يصح في نظركم من حيث المبدأ، أن الماضي كلما مر عليه الزمان وأوغل في القدم، ارتفعت بل ظلت ترتفع قيمته بإزاء الحاضر على مر الأيام وكر السنين والأعوام؟ وهل أن قضاء الحاجات الماضية أجدر بالقدر عندكم من قضاء الحاجات الراهنة حتى ترصوا بأن تبقى قيمة المال الذي كنتم أقرضتموه قبل مدة من الزمن وقد فرغتم من إنفاقه وجعلتموه نسيًا منسيًا، فهل ترضون أن ترتفع هذه القيمة إزاء المال الحاضر بعد كل ساعة تمر عليه. وهل من الصحيح المعقول في نظركم أن تصبح الـ 200 ليرة التي أنفقتموها قبل سنة مثلًا مساوية لـ 250 ليرة اليوم؟