أما المبرر الرابع للربا، فقد بذل في اختلاقه وتزيينه في أعين الناس ما لم يبذل في المبررات السابقة وهو: أن انسان يؤثر فائدة الحاضر ولذته على فوائد المستقبل البعيد ولذائذه الكثيرة. وأنه على قدر ما يكون المستقبل بعيدًا؛ تكون فوائده ولذائذه غير يقينية، وهكذا تنحط قيمتها يومًا فيومًا، وذلك لعدة أسباب:
1 -كون المستقبل في الظلام وكون الحياة غير يقينية. فلذلك تكون الفوائد التي تحصل للإنسان في المستقبل غير يقينية، ولا تكون لها صورة في تصوره، وأما الفائدة التي ينالها في الحاضر فهي يقينية وهو يشاهدها بعين رأسه.
2 -إن الذي يحتاج إلى شيء اليوم، آثر عنده وأثمن في نظره أن يقضي اليوم حاجته بنيله إياه على أن ينال في المستقبل شيئًا قد يكون في حاجة إليه وقد لا يكون.
3 -إن المال الذي يحصل اليوم نافع قابل للاستعمال فعلًا، فهو من هذه الجهة فوق المال الذي سيحصل يومًا في المستقبل.
فلأجل هذه الأسباب إن فائدة الحاضر اليقينية آثر عند الإنسان من فائدة المستقبل غير اليقينية. فالمال الذي يستقرضه المدين اليوم، أثمن قيمة من المال الذي سيرده إلى الدائن غدًا، وإن الربا هو"القدر الزائد"الذي ينضم إلى المال عندما يؤديه المدين إلى الدائن ويجعله مساويًا في القيمة لذلك المال الذي أخذه من الدائن عند اقتراضه إياه. وذلك كمثل أن يذهب رجل إلى المرابي ويستقرضه مائة ليرة، فيتفق معه هذا المرابي على أنه يطلب منه 103 ليرة بعد سنة، فكأنهما يتبادلان في هذه الصورة من المعاملة مائة ليرة حاضرة بثلاث ومائة ليرة في المستقبل. وكأن الليرات الثلاث تساوي"الفرق"الذي يوجد بين قيمة المال في الحاضر وقيمته في المستقبل من الوجهة النفسية لا الاقتصادية، فما دامت لا تنضم هذه الليرات الثلاث إلى المائة ليرة بعد سنة، فإن قيمتها لا تساوي قيمة المائة ليرة التي كان قد أخذها المدين من الدائن.
نعم! من الظلم ألا تؤدي القسط اللازم من المدح إلى الدهاء الذي قد لعبت يده في اختلاق هذا المبرر وتزيينه في أعين الناس، ولكن الحقيقة أن الفرق المذكور فيه بين القيمة في الحاضر والمستقبل من الوجهة النفسية، لا يعدو أن يكون مغالطة ليس غير.
هل من الحق في شيء أن الفطرة الإنسانية تعتقد أن الحاضر أثمن قيمة من المستقبل؟ فإن كان الأمر كذلك، فما لأكثر الناس لا ينفقون كل ما يكسبون اليوم من فورهم بل يؤثرون أن يدخروا نصيبًا منه لمستقبلهم؟ ولعلك لا تجد واحدًا من مائة رجل يستغني عن الفكر في مستقبله ويؤثر أن ينفق كل ما بيده من المال على لذة اليوم ونعيمه، بل الذي عليه 99% من الناس -على الأقل- أنهم يضيقون على أنفسهم ويقللون من حاجاتهم ويريدون أن يدخروا جانبًا من مالهم لقضاء حاجاتهم في المستقبل، لأن الحاجات المتوقعة والأحوال المتوقعة والأحوال المخيفة في المستقبل يكون تصورها الذهني في عين الإنسان أكبر وأهم من حقيقة الأحوال الحاضرة التي يجتازها اليوم طوعًا أو كرهًا. ثم ما الذي يبتغيه الإنسان من