إلا أننا نجد في زماننا ممن ينتسب إلى أهل الفكر والدعوة والعلم من يتفوه بعبارات أو يؤلف كتبا، أو يتخذ مواقف، أو يدلي بتصريحات، أو يؤيد سياسات تناقض أصل الشرعية هذا، ولا تنسجم معه بحال من الأحوال. وذلك إما بتأويل النصوص الصريحة القاطعة، وإما بتجاهلها والاستخفاف بها.
وهذه البلوى لم تعد قاصرة على أعداء الفكرة الإسلامية، الذين لا ضير عندهم في اعتبار الأنظمة السياسية الحاكمة في عالمنا العربي شرعية، يدان لها بالطاعة والولاء.
واعتبار القوانين التي تسنها مجالس الشعب، أو ما يسمى بمجالس الأمة، والتي تقوم عليها تلك الأنظمة قوانين شرعية كذلك.
بل أن هذه البلوى جاوزتهم إلى كثير ممن ينتسب إلى حقل الدعوة الإسلامية، أو العلم الشرعي. فلا تكاد تسمع حوارا أو تسمع ندوة أو تطالع مجلة إلا ويشيد فيها المتحاورون إسلاميين كانوا أوعلمانيين أو ماركسيين بالديمقراطية السياسية كأساس للحكم، واحترام الدستور والقوانين السائدة.
وأجازت بعض الحركات الإسلامية الاشتراك في الحكم غير الإسلامي، بل وشاركت فعلا فيه في غير بلد، حتى أصبح ذلك أمرا عاديا بل واجبا شرعيا في نظر دعاته.
وحين خرجت بعض الجماعات الإسلامية الأخرى على بعض تلك الأنظمة الحاكمة ونابذته بالسلاح معلنة كفرها، وعدم شرعيتها، انتدب كثير من الدعاة"وأهل العلم"أنفسهم للدفاع عن تلك الأنظمة السياسية الاستبدادية وغير الشرعية حتى بالمعايير الغربية نفسها (1) ، مصرحين بأنها أنظمة شرعية غير كافرة وإن كان يصدق على بعضها وصف الفسق والجور.
واستلزم ذلك منهم أن يحرموا الخروج عليها، ويصفوا"المجاهدين"بالخوارج والبغاة وأهل الحرابة، فأفتوا بحل دمائهم، ووقعوا على إعدامهم.
(1) انظر: الشيخ علي بلحاج أبو عبد الفتاح: فصل الكلام في مواجهة ظلم الحكام ص81-105، حيث بين عدم شرعية الأنظمة في العالم الإسلامي حتى وفق الدساتير والقوانين الغربية الديمقراطية.