فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 528

وكان المفسرون دوما يذكرون أسباب نزول الآيات عند تفسيرهم لها، وأفرد بعضهم كتبا في أسباب النزول كالسيوطي والواحدي، بل التزم بعض العلماء ببيان المناسبات بين الآيات المتتابعة وبيان التناسب بين السور مثلما فعل برهان الدين البقاعي الدمشقي في كتابه نظم الدرر في تناسب الآيات والسور.

لكن ما من أحد قال بان الواقع الذي احتف بنزول الآية هو جزء من الآية، فضلا أن يرتب على ذلك أن القرآن لم ينقل بدقة وأمانة أو انه ناقص لأنه لم يذكر الواقع والملابسات التي صاحبت أو كانت سببا في نزوله كما افترى أركون.

ونحن نعلم أن غالب آيات القرآن نزلت بدون حادث أو سبب أو سؤال، و إنما نزلت تقرر عقائد وتشريعات … الخ، على أن ما احتفظت به كتب الحديث والسير وما كتبه علماؤنا في بيان المناسبات، وما احتفظ به تراثنا من كتب الأدب فيه كفاية في بيان صورة الواقع وعادات العرب وتقاليدهم مما يعين على فهم القرآن.

ومع ذلك فهذا الواقع وأحداثه وأشخاصه ليسوا جزءا من القرآن، وقبل هذا و ذاك فان الله -عز وجل- أنزل هذا القرآن وتعهد بحفظه من التغيير والتبديل فقال تعالى { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ( الحجر/9) .

وهؤلاء جميعا يصدرون عن هاجس تشكيكي واحد، والدليل على ذلك أنه بينما يحاول أبو زيد إثبات عدم أزلية القرآن وعدم وجوده في اللوح المحفوظ وانه نزل وفق أحداث طارئة هي التي شكلته ولولا حدوثها لكان القرآن مختلفا، نجد أن محمد أركون يعبر عن هذا المعنى بالقول أن الواقع والملابسات هي جزء من النص، والهدف واحد في الحالتين وهو إثبات نسبية القرآن وبيئيته وبالتالي تغيره، وعدم إطلاقيته.

وهو المحور الذي بنى عليه أبو زيد دراسته عن مفهوم النص، والتقط له كل شاردة وواردة حتى جعل وجود الفاصلة التي تشبه السجع من جملة براهينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت