""""صفحة رقم 308""""
بمقتضى الأدلة وبه يرتفع إشكال التعارض الظاهر لبادى الرأى حتى تنتظم الآيات والأحاديث وسير من تقدم والحمد الله
غير انه يبقى بعدها إشكالان قويان وبالنظر في الجواب عنهما ينتظم معنى المسألة على تمامه فنعقد في كل إشكال فصلا
فصل الإشكال الاول
إن ما تقدم من الأدلة على كراهية الالتزامات التي يشق دوامها معارض بما دل على خلافه فقد كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقوم حتى تورمت قدماه فيقال له أو ليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تاخر فيقول أفلا أكون عبدا شكورا ويظل اليوم الطويل في الحر الشديد صائما وكان ( صلى الله عليه وسلم ) يواصل الصيام ويبيت عند ربه يطعمه ويسقيه ونحو ذلك من اجتهاده في عبادة ربه
وفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اسوة حسنة ونحن مأمورون بالتأسى به
فإن أبيتم هذا الدليل بسبب أنه صلى الله عليه وسلبم كان مخصوصا بهذه القضية
ولذلك كان ربه يطعمه ويسقيه وكان يطيق من العمل مالا تطيقه أمته
فما قولكم فيما ثبت من ذلك عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين العارفين بتلك الأدلة التي استدللتم بها على الكراهية حتى إن بعضهم قعد من رجليه من كثرة التبتل وصارت جبهة بعضهم كركبة البعير من كثرة السجود
وجاء عن عثمان بن عفان رضى الله عنه أنه كان إذا صلى العشاء أوتر بركعة يقرأ فيها القرآن كله وكم من رجل صلى الصبح بوضوء العشاء كذا كذا سنة وسرد الصيام كذا وكذا سنة وكانوا هم العارفين بالسنة لا يميلون عنها لحظة
وروى عن ابن عمر وابن الزبير رضى الله عنهم أنهما كانا يواصلان الصيام وأجاز مالك - وهو إمام في الاقتداء - صيام الدهر يعنى إذا أفطر أيام العيد