قرَّره الأئمةُ في مصنَّفاتهم؛ من عدم استشعار المسؤولية، أو التَّسَرُّع، أو القول بغير علم، أو التَّصدِّي للفتوى من غير تأهُّل لها، أو التَّساهل فيها ... وكل هذه الأمور لها أسبابها وتداعياتها، ويطول المقام لطرحها ومناقشتها.
ولكن أحسب أنَّ من أخطرها وأشدِّها مسألة التَّساهلُ وتتبُّعُ رخص العلماء؛ وبخاصَّة أنَّها انتشرت وبدأ يظهر العمل بها في هذا الزمن من قبل بعض المفتين والمستفتين، ومع ذلك نجد أنَّ الحديثَ عنها تحذيرًا وتنبيهًا ليس بالقدر المطلوب الذي يفترضه الشَّرع ويقتضيه العقل، ومن باب التَّواصي بالحقِّ والإعذار إلى الله العليم الخبير جاء هذا البحث الذي أبيِّن فيه - بمشيئة الله تعالى - بعضَ المباحث حولَ هذه المسألة، وما يترتَّب عليها؛ سائلًا الله - عز وجل - الهدايةَ والسَّدادَ فيه وفي جميع الأقوال والأفعال [1] .
ولا يَسَعُني في ختام هذه المقدِّمة إلا أن أشكر اللهَ وحدَه أهلَ الثَّناء والمجد، ثم أشكر ثانيًا كلَّ مَنْ قرأ هذا الكتاب وأبدى بعض
(1) الهداية والسداد في الأقوال والأفعال مطلبٌ عزيزٌ، وللأسف يغفل عنه بعض الناس ولا يستشعرون أهميته، بينما هذه الدعوة يحتاج أن يكررها ويدعو بها كل مسلم، وقد قال الإمام مسلم في صحيحه (2725) : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا ابن إدريس قال: سمعت عاصم بن كليب عن أبي بردة عن علي- رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «قل اللهم اهدني وسددني واذكر بالهدى هدايتك الطريق والسداد، سداد السهم» . قال النوويُّ في شرحه لمسلم: (17/ 44) : (وكذا الدَّاعي ينبغي أن يحرص على تسديد علمه وتقويمه، ولزومه السنة) .