ويتميز هذا النظام بأنه يمنح النيابة المرونة في تقدير ملائمة الدعوى أو عدم إقامتها بما يحقق مصلحة أفضل للمجتمع، ويتفادى تكدس القضايا أمام قضاء الحكم إلا أنه يؤخذ عليه إمكانية عدم تحقق المساواة بين الأفراد لما قد يؤدي إليه هذا النظام من تحكم النيابة العامة وإهدار تلك المساواة حين يتسرب الشك إلى نفوس الأفراد في حياة النيابة العامة وعدم تحيزها، وفي سبيل تفادي مساوئ هذا النظام لجأت التشريعات التي تأخذ به إلى السماح للمجني عليه أن يحرك، أو يرفع دعوى الحق العام مباشرة دون انتظار قيام النيابة العامة بذلك أو عند تقاعسها أو إهمالها [1] .
مدى أخذ المنظم السعودي بنظام الملائمة أو النظام التقديري:
لا يتضمن نظام الإجراءات الجزائية نصًّا صريحًا يقرر بصورة مباشرة انحياز المنظم السعودي لأي من النظامين السابقين. ومع ذلك توجد هناك نصوص يمكن أن يستخلص منها سلطة هيئة التحقيق والادعاء العام في إقامة دعوى الحق العام أو حفظ الأوراق، وهذه النصوص تضمنتها المادتين (62، 63) ، من نظام الإجراءات الجزائية، وكذلك المواد (16/ ج53، 54) من اللائحة التنظيمية لنظام هيئة التحقيق والادعاء العام.
تتضمن المادة (62) من نظام الإجراءات الجزائية على أن"للمحقق إذا رأى أن لا وجه للسير في الدعوى أن يوصي بحفظ الأوراق، ولرئيس الدائرة التي يتبعها المحقق الأمر بحفظها"وتنص المادة (63) على أنه"إذا صدر أمر بالحفظ ووجب على المحقق أن يبلغه إلى المجني عليه ..."ونجد أن المادة (16) فقرة (ج) من اللائحة التنظيمية لنظام هيئة التحقيق والادعاء العام نصت على"أن يأمر بحفظ الأوراق إداريًا وقيد موضوعها في السجل المعد لذلك".
وبالنظر إلى نصوص المواد السابقة يعتقد الباحث أن المنظم السعودي يذهب إلى الرأي الذي يأخذ النظام التقديري أو نظام الملائم في إقامة الحق العام، وهناك حجة أخرى مستمدة من المنطق القانوني يؤيد هذا الرأي مقتضاها عدم إجبار صاحب الحق في اقتضاء حقه، ولما كانت النيابة العامة (هيئة التحقيق) تمثل المجتمع في ملاحقة مرتكب الجريمة لاقتضاء حقه في العقاب منه، فإنه لا يتصور عقلًا وبلا قانونًا أن يجبر صاحب الحق أو ممثله
(1) شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، الكتاب الأول، للدكتور علي عبدالقادر القهوجي، ص 137.