الصفحة 51 من 82

مباركة، وأن جميع أمم الأرض ستبارك بنسله"، [1] ثم ظهر الله ليعقوب وصرح له بذلك أيضًا، ثم ظهر بعد ذلك لبني إسرائيل في جبل سيناء، وأخبرهم بأنهم سيكونون له شعبًا خاصًا، وأخص من جميع الشعوب على وجه الأرض، هذا الاختيار لا يعني بالضرورة عند اليهود أنه دليل تفوق، إنما هو دليل تفرد، وعند فريق منهم أنه دليل اختلاف وحسب، وآخرون يرون أنه يعني زيادة المسؤوليات والأعباء، أما سببه عند بعض اليهود أنه تكريم وآخرون يعتبرونه زيادة في التكليف، فيما تعتقد عامة اليهود أنه بدون سبب فهو من إرادة الله التي لا ينبغي أن يتساءل عنها البشر، وهو غير مشروط لا علاقة له بالخير أو الشر، ولا بالطاعة والمعصية، وهو لا يسقط عن اليهود حتى لو ارتكبوا معصية، إذ إن حب الله لشعبه يغلب على عدالته، إن مقولة الاختيار هذه كانت إحدى الأسباب التي دفعت اليهود إلى الحرص على الانعزال عن الشعوب الأخرى والنظرة إلى هذه الشعوب نظرة دونية، تجسدت بروح معادية لغير اليهود، كما يظهر ذلك في الكتب الدينية اليهودية وعلى رأسها التلمود، تلك الكتب التي فرقت في الأحكام بين اليهود وغيرهم، وبين دم اليهودي، ودم الأغيار. [2] "

لم تكن الصهيونية الدينية من بنات أفكار شخصية واحدة، كما أنها لم تتبلور بوضوح دفعة واحدة، إنما تطورت بتراكم أفكار دعاتها الذين عاشوا في مناطق وأزمنة مختلفة، وإن فَهْمَ (الصهيونية الدينية) التي يعد أتباعها أكثر فئات المجتمع الإسرائيلي عداء للعرب والمسلمين يقتضي تتبع المنطلقات الفكرية التي انطلقت منها، وأفكار أبرز رموزها الفكرية والتنظيمية. [3]

وقد انطلقت البداية الحقيقية للصهيونية الدينية في العصر الحديث من أفكار الحاخام"يهودا القلعي" [4] (1798 - 1878م) ، الذي دعا إلى خلاص اليهود بالعودة إلى التلمود، وأساطير

(1) صلاح الزرو، المتدينون في المجتمع الإسرائيلي، مرجع سابق، ص164.

(2) انظر: صلاح الزرو، المتدينون في المجتمع الإسرائيلي، مرجع سابق، ص164.

(3) نفس المصدر السابق، ص165 - 166.

(4) ولد الحاخام"القلعي"في مدينة سراييفو لأبوين من يهود الصرب عام 1798م، وتلقى بها تعليمًا يهوديًا تقليديًا، وتبحر في تعاليم"القبالة"، كما اشتغل"القلعي"بالتدريس في مدينة"زملين"بالقرب من"بلغراد"، وأضحى في العام 1825 حاخامًا لها (وهي عاصمة الصرب آنذاك) . وقد عايش"القلعي"، خلال العشرينات والثلاثينيات من القرن التاسع عشر، ثورة شعوب البلقان وحرب الاستقلال اليونانية، مما أثر على أفكاره فيما بعد. واستند"القلعي"- في رؤيته عن"الخلاص"من خلال الاستيطان في أرض إسرائيل - إلى أسطورة دينية كان اليهود الصوفيون قد غالوا في زخرفته والزيادة عليها، وهي تقول بأن"المسيح الأول"سوف يسبق مجيء"المسيح المنتظر"ويقود اليهود في حرب يأجوج ومأجوح وذلك لفتح فلسطين بحد السيف. هاجر إلى فلسطين في عامه السبعين وأنهى آخر أيام عمره في القدس، حيث توفى عام 1878م، وكانت أولى كتاباته في العبرية عام 1845م بعنوان"منحة يهوذا. (انظر: آرثر هرتزبرج، الفكرة الصهيونية، النصوص الأساسية، ترجمة: لطفي العابد وموسى عنز،(مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1970م، ص9 - 10) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت