قَالَ وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، رحمه الله، قَالَ: أَخْبَرَنَا السكن بن سعيد، عَنْ محمد بن عباد، عَنِ ابن الكلبى، عَنْ أبيه، قَالَ: لما حضرت عبد الله بن شدّاد بن الهاد الوفاة دعا ابنًا له يُقَال له: محمد، فقَالَ: يا بنيّ، إني أرى داعي الموت لا يقلع، وأرى من مضى لا يرجع، ومن بقى فإليه ينزع، وإني موصيك بوصية فاحفظها، عليك بتقوى الله العظيم، وليكن أولى الأمور بك شكر الله، وحسن النية فِي السر والعلانية، فإن الشّكور يزداد، والتقوى خير زاد، وكن كما قَالَ الحطيئة:
ولست أرى السعادة جمع مالٍ ... ولكنّ التقيّ هو السعيد
وتقوى الله خير الزاد ذخرًا ... وعند الله للأتقى مزيد
وما لا بدّ أن يأتي قريبٌ ... ولكنّ الذي يمضي بعيد
ثم قَالَ: أي بنيّ، لا تزهدنّ فِي معروف، فإن الدهر ذو صروف، والأيام ذات نوائب عَلَى الشاهد والغائب، فكم من راغب قد كان مرغوبًا إليه، وطالب أصبح مطلوبًا ما لديه، واعلم أن الزمان ذو ألوان، ومن يصحب الزمان يرى الهوان، وكن أي بنيّ كما قَالَ أَبُو الأسود الدؤلي:
وعدّ من الرحمن فضلًا ونعمةً ... عليك إذا ما جاء للعرف طالب
وإن امرأً لا يرتجى الخير عنده ... يكن هينًا ثقلًا عَلَى من يصاحب
فلا تمنعن ذا حاجة جاء طالبًا ... فإنك لا تدري متى أنت راغب
رأيت التوا هذا الزمان بأهله ... وبينهم فيه تكون النوائب
ثم قَالَ: أي بني، كن جوادًا بالمال فِي موضع الحق، بخيلًا بالأسرار عَنْ جميع الخلق، فإن أحمد جود المرء الإنفاق فِي وجه البر، وإن أحمد بخل الحرّ الضن بمكتوم السر، وكن كما قَالَ قيس بن الخطيم الأنصاري:
أجود بمكنون التلاد وانني ... بسرك عمن سالني لضنين
إذا جاوز الإثنين سرٌ فإنه ... بنثً وتكثير الحديث قمين
وعندي له يوما إذا ما ائتمنتني ... مكانٌ بسوداء الفؤاد مكين