مع عذر الهدهد الواضح، لم يتأخر كثيرًا ، فلما حضر بادر سليمان بعذره ، قبل نفاذ صبره ، فقال: { أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } .
ومعنى هذا الكلام أنني عندي من العلم ما ليس عندك .. فهل غضب سليمان لهذا الكلام؟ كلا، فقد كان سليمان على عظيم علمه يعلم أنه ما أوتي من العلم إلا قليلا .
ثم ألقى الهدهد خطبة في التوحيد والعقيدة ، كلماتها أحلى من الشهد المصفى ،ألقاها الهدهد بحرقة ولوعة وألم ، على أمة أنكرت ربها ، وجحدت نعمة خالقها ومولاها ، فقال: { إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ *وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ *أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ *اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } .
سبحان الله .. لقد فاق هذا الهدهد، كثيرًا من الدعاة إلى الله في هذا الزمان، ممن يشاهدون المنكرات في مجتمعهم، ويشاهدون المخالفات الشرعية بين ظهرانيهم، ومع هذا لا ينكرون على أقوامهم ، فهل لنا أسوة حسنة في هذا الهدهد، الذي أنكر على ملكة دولة في زمانها، وهي ملكة سبأ، وأين نحن من هذه الهمة العالية، والنفس الطموحة ، التي أقبلت من اليمن إلى الشام ترفع الشكوى من الشرك والوثنية، وتنادي بالإيمان والوحدانية0
وفهم سليمان الخطاب، فلم يبادر بالتصديق ، فالخبر يتعلق بغائب، وهو يحتاج إلى التثبت والتحقيق، وأخذ الناس بمجرد الدعاوى جور وتعد .
{ قال: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ } .