وكم نحن بحاجة كذلك ، إلى أدب النملة عند الخلاف ، وإحسان الظن بالآخرين ، خاصة أهل العلم والفضل والدين، فلا نطير بهفواتهم، ولا نضخم سهوهم أو غفلتهم، بل نحسن الظن ما أمكن، ونقيل العثرة، ونذيب السيئة في بحر الحسنات، وننسى الخطيئة إذا جاءت في صحيفة الفضائل والمكرمات0
ثم قال تعالى: (فتبسم ضاحكا من قولها) ، تبسم سليمان، وعجب من نصحها وحرقتها على بنات جنسها، وأدبها في الاعتذار لسليمان وجنوده، ثم دعا الله تعالى عند هذه النعمة فقال: { رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } .
ولننتقل إلى مشهد آخر ، من مشاهد الملك والسلطان ، الذي آتاه الله سليمان: { وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ } ، نعم إنها مسؤولية الراعي الجسيمة ، ومهمته العظيمة ، في تفقد الرعية ، أيا كانت هذه الرعية ، صغيرة أو كبيرة ، و (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالرجل) .. هذا المُلك العظيم والحشد الجليل من الجن والأنس والطير لم ينس معه سليمان الهدهد { وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ* لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } .
وهذا هو العدل ، فسليمان لم يجزم بالذبح، لأنه لا يدري ما هو الذنب ،فإن كان صغيرا عذبه بقدر ذنبه،وإن كان كبيرًا يستحق معه الذبح فعل .
ثم قال أو ليأتيني بسلطان مبين: وهذا هو الكمال في الإنصاف والعدل، إن جاء الهدد بحجة قُبِلَتْ ، فإن لصاحب الحق مقالا، ولصاحب الحجة سلطانًا ، وإن الحكم على الغير قبل سماع عذره وتبين أمره، طيش وظلم .
ثم قال سبحانه: { فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ } .