والوجه الثاني: أنه يبطل بصرف ما لا ينصرف، فإنه يوقع لبسًا بين ما ينصرف وما لا ينصرف في نحو قوله:
قواطنًا مكة من وُرْقِ الحَمِي
وكذلك سائر ما لا ينصرف، ومع هذا فقد وقع الإجماع على جوازه، فكذلك ههنا.
فإن قالوا: الكلام به يتحصل القانون دون الشعر1، وصرف ما لا ينصرف لا يوقع لبسا بين ما ينصرف وما لا ينصرف؛ لأنه لا يلتبس ذلك في اختيار الكلام.
قلنا: وهذا هو جوابنا عما ذكرتموه؛ فإنه إذا كان الكلام هو الذي يتحصل به القانون دون الشعر، فترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر لا يوجب لبسًا بين ما ينصرف وما لا ينصرف؛ إذ لا يلتبس ما ينصرف وما لا ينصرف في اختيار الكلام، والله أعلم.
= من حق العربية عليه أن يقول:"تهيضه غيبتي"إلا أنه حذف الياء كما يحذفها لو أن الفعل كان مجزومًا، ونفاد عمره: ذهابه وزواله، ومحل الاستشهاد في البيت قوله"عمره"فقد اختلس كسرة الهاء -وهي ضمير الغائب العائد إلى والد- اختلاسًا، ولم يشبعها حتى تتولد عنها ياء، وهو نظير ما تقدم في شرح الشواهد السابقة.
[343] هذا بيت من الرجز المشطور، وهو من شواهد سيبويه"1/ 8"ونسبه إلى العجاج، وقد أنشده ابن منظور"ح م م"ثالث ثلاثة أبيات، ونسبها إلى العجاج وهي في روايته هكذا:
ورب هذا البلد المحرم ... والقاطنات البيت غير الريم
قواطنا مكة من ورق الحمى
وهو من شواهد ابن عقيل"رقم 262"وشرحه العيني"3/ 554 في هامش الخزانة"والقاطنات: جمع قاطنة، وهي اسم الفاعل المؤنث من"قطن المكان يقطنه"إذا أقام فيه، والريم: جمع رائمة، وهي اسم الفاعل المؤنث من"رام الموضع يرميه"إذا فارقه وتركه، ويروى"أوالفا"وهو جمع آلفة، ومهما يكن من شيء فإن في قوله"أوالفا"أو"قواطنا"صرف الاسم الذي لا ينصرف؛ فإنه على صيغة منتهى الجموع، وكان عليه أن ينصبه بالفتحة من غير تنوين، إلا أنه لما اضطر إلى إقامة الوزن نونه.
1 يريد المؤلف بهذه العبارة أن قوانين العربية وقواعدها إنما تؤخذ من الكلام وهو النثر -وذلك بسب أن الشعر لضيق العبارة فيه بسبب الوزن والرويّ والقافية تعرض للشاعر فيه عوارض تدفعه إلى أن يرتكب ما لا يرتكبه لو أنه في فسحة من أن يقول ما شاء.