ومثله أيضًا في المسألة ما رواه أحمد و مسلم والترمذي من حديث الأوزاعي عن شداد بن عمار عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم ) )وهذا يقتضي أن إسماعيل وذريته صفوة ولد إبراهيم، فيقتضي أنهم أفضل من ولد إسحق، ومعلوم أن ولد إسحق هم بنو إسرائيل أفضل العجم لما فيهم من النبوة والكتاب، فمتى ثبت الفضل لهؤلاء فعلى غيرهم بطريق الأولى، وتدل أيضًا أن نسبة قريش إلى العرب كنسبة العرب إلى الناس وهكذا جاءت الشريعة كما سنومئ إلى بعضه.
فإن الله تعالى خص العرب ولسانهم بأحكام تميزوا بها، ثم خص قريشًا على سائر العرب بما جعل فيهم من خلافة النبوة، وغير ذلك من الخصائص، ثم خص بني هاشم بتحريم الصدقة واستحقاق الفيء إلى غير ذلك من الخصائص، فأعطى الله سبحانه كل درجة من الفضل بحسبها والله عليم حكيم {إن الله يصطفي من الملائكة ومن الناس} و {الله أعلم حيث يجعل رسالته} .
حدثنا عبدالله بن بكر السهمي حدثنا يزيد بن عوانة عن محمد بن ذكوان عن عمرو بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (( بينا نحن جلوس بفناء رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ مرت امرأة فقال رجل من القوم: هذه ابنة محمد فقال أبي سفيان: إن مثل محمد في بني هاشم مثل الريحانة في وسط التين، فانطلقت المرأة فأخبرت النبي صلى الله عليه و سلم فخرج النبي صلى الله عليه و سلم يعرف الغضب في وجهه فقال: ما بال أقوال تبلغني عن أقوام أن الله تبارك و تعالى خلق السماوات فاختار العليا فأسكنها من شاء من خلقة ثم خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم و اختار من بني آدم العرب و اختار من العرب مضر و اختار من مضر قريشًا و اختار من قريش بني هاشم و اختارني من بني هاشم فأنا من بني هاشم من خيار إلى خيار فمن أحب العرب فبحبي أحبهم و من أبغض العرب فببغضي أبغضهم ) ). ورواه الحاكم في المستدرك أيضًا
وأيضًا حديث سلمان رضي الله عنه: (( قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم: يا سلمان، لا تبغضني فتفارق دينك، قال: قلت: يا رسول الله، و كيف أبغضك و بك هدانا الله؟ قال: تبغض العرب فتبغضني ) ). رواه أحمد والترمذي والحاكم وغيرهم قال شيخ الإسلام: وهذا دليل على أن بغض جنس العرب ومعاداتهم كفر أو سبب لكفر، ومقتضاه أنهم أفضل من غيهم وأن محبتهم سبب قوة الإيمان.
وروى البزار عن سلمان رضي الله عنه قال: (نُفضّلكم يا معاشر العرب لتفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم، لا ننكح نساءكم، ولا نؤمكم في الصلاة) قال شيخ الإسلام إسناده جيد، وهذا مما احتج به الفقهاء الذين جعلوا العربية من الكفاءة بالنسبة إلى الأعجمي، واحتج به أحمد في إحدى الروايتين على أن الكفاءة ليست حقًا لواحد معين، بل هي من الحقوق المطلقة في النكاح، حتى أنه يفرق بينهما عند عدمهما، واحتج أصحاب الشافعي و أحمد بهذا على أن الشرف مما يستحق به التقديم في الصلاة.
وأيضًا فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما وضع ديوان العطاء (كتب الناس على قدر أنسابهم فبدأ بأقربهم نسبًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انقضت العرب ذكر العجم) هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين وسائر الخلفاء من بني أمية وولد العباس إلى أن تغير الأمر بعد ذلك.
وقد اخترت لكم المصنف المشهور المسمى: (مسبوك الذهب في فضل العرب وشرف العلم على شرف النسب) للمؤلف الإمام مرعي بن يوسف الحنبلي الكرمي (1033هـ) نسبة الى قريته طور كرم في أرض فلسطين فك الله أسرها وعلى صغر حجم هذا الكتاب إلا انه من أنفس ماكتب في هذا الموضوع وتكمن قيمته العلميه في توسطه واعتداله وموضوعيته وابتعاده عن الحمية والعصبية بل نهج منهجا شرعيًا لا يكتب إلا مادل عليه الدليل من الكتاب والسنة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)