يملأ صدره، والهوى يضل عقله وروحه.
تقدمت السيدة (ماري) يصحبها الدركي العاشق، عدة خطوات، فصادفا السيد (جورج) نائب المنطقة الانتخابية، وقد كانت علامات التعب بادية على وجهه، وكأن تصلب شرايينه أصبح جمودًا باردًا في نظرته وابتسامته. وقد توقف ذراعاه عن حركة التحية ذات اليمين وذات اليسار. وكان يتمتم من غير أن يحرك لسانه وقد عرفت انه يقول: قسمًا بالحريات المقيدة، وبميثاق استيلاء، القوي على الضعيف، إنني ثمل الآن، حقًا وصدقًا، لقد شربت كثيرًا من الكحول في الدعوة التي أقمتها للناخبين، وان كانوا غير ثانويين، وقد فقدت ذكائي، وكيف يصح لي أن أترك النيابة وأذهب في طريق السعادة باحثًا عن التجارة والاقتصاد والنفع، فما قيمة نائب لا ينتخب، وما شأن تاجر تجعل منه الأمة نائبًا يمثلها ويدافع عن حقوقها، ويعمل على التقدم بها في سبيل الكرامة والمجد!
قاتل الله الإكثار من البطن، أنها ذهبت بفطنة السيد (جورج) نائب المنطقة الانتخابية، وحمدًا لله الذي أعاد عقل النائب إليه، وانتهى التفكير الذكي بالنائب الغربي إلى ما يماثل تفكير زملائه في الشرق، وعاد أدراجه مفصلًا النيابة على كل شيء، يسعى إليها السعي المستجد الحثيث، كأن النيابة غاية ليس وراءها قصد، وعمل ينال بخطاب بارع، طويل أو قصير. . .
أما القديس (دنيس) فقد دهش لرؤية السيدة (ماري) والدركي ونائب المنطقة الانتخابية يعودون في الطريق التي يعرف أولها، وهز كتفيه الرخاميين الناصعين، وبقيت رأسه بين يديه، بعيدة عن منكبيه، وقد ظننت أنه يقول: عفوك اللهم، أن هؤلاء البشر لا يعرفون ما يصنعون. وهبتهم العقل ولكنهم لا يعقلون. يبحثون عن السعادة في الطريق التي لا تعرف نهايتها ولا أكاد أتابعهم في ذلك حتى أجدهم على تراجع غريب. كلهم الآن يعود على قريته الصغيرة، ويقنع بما قسم له، السيدة (ماري) تعود إلى زوجها، وتأمل في ألا تكره وجهه وجثته ويديه. والدركي يعود إلى القرية يزهو بثوبه العسكري الفاتر، البعيد عن إبداع الزي الجديد وتطور الجمال والفن. والنائب الذي بذل ماله وصوته سخيًا يعود إلى استثمار هذا المال في حانوت الوطنية، وسوقها، وأنا ليس لي إلا الرجوع إلى الله فرارًا من هؤلاء البشر جميعًا، ما أجمل مقامي على مر العصور والأجيال في رخام التماثيل، تسجد أمامي