فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 490

لاتحاد السبب في حقهم. فأخبر عمر أن صهيبا اجتمع له سببان يمنعانه المعصية الخوف والإجلال فلو انتفى الخوف في حقه، لانتفى العصيان للسبب الآخر وهو الإجلال. وهذا مدح عظيم له.

قلت: وبهذا الجواب بعينه يجاب عن قوله صلى الله عليه وسلم في ابنة حمزة: «إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لها ابنة أخي من الرضاعة» [1] ، أي فيها سببان يقتضيان التحريم فلو قدر انتفاء أحدهما لم ينتف التحريم للسبب الثاني، وهذا جواب حسن جدا.

الجواب الرابع: ذكره بعضهم بأن قال: جواب «لو» محذوف، وتقديره لو لم يخف الله لعصمه فلم يعصه بإجلاله ومحبته إياه، فإن الله يعصم عبده بالخوف تارة والمحبة والإجلال تارة، وعصمة الإجلال والمحبة أعظم من عصمة الخوف، لأن الخوف يتعلق بعقابه والمحبة والإجلال يتعلقان بذاته وما يستحقه تبارك وتعالى [2] ، فأين أحدهما من الآخر. ولهذا كان دين الحب أثبت وأرسخ من دين الخوف، وأمكن وأعظم تأثيرا وشاهد ما نراه من طاعة المحب لمحبوبه، وطاعة الخائف لمن يخافه، كما قال بعض الصحابة: إنه ليستخرج حبه مني من الطاعة ما لا يستخرجه الخوف، وليس هذا موضع بسط هذا الشأن العظيم القدر وقد بسطته في كتاب «الفتوحات القدسية» .

الجواب الخامس: أن «لو» أصلها أن تستعمل للربط بين شيئين كما تقدم، ثم أنها قد تستعمل لقطع الربط فتكون جوابا لسؤال محقق أو متوهم وقع فيه ربط، فتقطعه أنت لاعتقادك بطلان ذلك الربط، كما لو قال القائل: إن لم يكن زيد زوجا لم يرث. فتقول أنت: لو لم يكن زوجا لورث زيد. إن ما ذكره من الربط بين عدم الزوجية وعدم الإرث ليس بحق فمقصودك قطع ربط كلامه لا ربطه، وتقول: لو لم يكن عالما لأكرم، أي لشجاعته جوابا لسؤال سائل يتوهم أنه لو لم يكن عالما لما أكرم، فتربط بين عدم العلم والإكرام، فتقطع أنت ذلك الربط وليس مقصودك أن تربط بين عدم العلم والإكرام لأن ذلك ليس بمناسب ولا من أغراض العقلاء، ولا يتجه كلامك إلا على عدم الربط، كذلك الحديث لما كان الغالب على الناس أن يرتبط عصيانهم بعدم خوفهم، وإن ذلك في الأوهام قطع عمر هذا الربط، وقال: لو لم يخف الله لم يعصه، وكذلك لما كان الغالب على

(1) البخاري (5101) في النكاح، باب: {وَأُمَّهََاتُكُمُ اللََّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} ، ومسلم (1449/ 15) في الرضاع، باب: تحريم الربيبة وأخت المرأة.

(2) كذا الأصل، ولعل في الكلام حذفا تقديره: لذاته أعظم مما يستحقه بعقابه (من هامش المطبوعة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت