فمهما كان الاستهزاء واللغو والصد، وتكميم الأفواه الناطقة بالحق، والداعية للحق، وتخويفهم وترهيبهم، ما هي في النهاية إلّا جعجعات بلا طحين، مثل الزبد {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفََاءً} [الرعد: 17] .
لعلنا في حاجة إلى التفرقة بين ظهور هذا المصطلح بتعريفه المبين في أول هذه المقدمة، وبيان ظهور جل مباحثه منذ العهد الأول.
وقد تكلم كثير من الباحثين في بدء ظهور هذا المصطلح «علوم القرآن» منهم السيوطي في الإتقان، والزرقاني في «مناهل العرفان» .
ووافق الزرقاني السيوطي وكلاهما تبعا للبلقيني في أن أول من تحدث بهذا هو الإمام الكبير الشافعي رضي الله عنه في حكاية [1] وردت من كتاب «تاريخ الشافعي» في القضية التي أثارها المبتدعة حول قولهم بخلق القرآن، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوََاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلََّا كَذِبًا}
[الكهف: 5] .
فقد جاء فيها أن الرشيد سأل الشافعي: كيف علمت يا شافعي بكتاب الله عزّ وجلّ؟
إلى أن قال ولكن إنما سألت عن كتاب الله المنزل على ابن عمي محمد صلى الله عليه وسلم، فقال الشافعي: إن علوم القرآن كثيرة، فهل تسألني عن محكمه ومتشابهه، أو عن تقديمه وتأخيره إلخ.
وإن ثبت هذا، فيكون درة نفيسة، ويكون من فضل الله تعالى الذي لا حد له أن يجري على لسان الشافعي هذا التركيب حتى يزيده فضلا وشرفا.
فهو كما مرّ اشتهر بوضع أول القواعد لأصول الفقه وذلك في كتابه الأشهر «الرسالة» .
وهذا لا يمنع البوح بما في نفسي منذ زمن أن الرسالة نفسها إحدى قواعد: (علوم القرآن) كما هي قواعد لعلم: «أصول الفقه» .
(1) لم يسعفني الوقت على تحقيق سندها وصحتها، ولعل هذا استوفيه في مقدمة «معجم علوم القرآن» إن شاء الله تعالى.