ولهذا يأمر سبحانه عباده أن يذكروا ما في كتابه، كما قال: {خُذُوا مََا آتَيْنََاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مََا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 63] ، وإذا كان كذلك فأحق وأولى وأول من كان ذاكرا له من أنزل عليه، ثم لقومه، ثم لجميع العالمين وحيث خص به المتقين فلأنهم الذين انتفعوا بذكره [1] .
قال تعالى عن أوليائه: {رَبَّنََا لََا تُزِغْ قُلُوبَنََا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنََا وَهَبْ لَنََا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهََّابُ} (8) [آل عمران] ، وقال تعالى: {وَلَمََّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوََاحَ وَفِي نُسْخَتِهََا هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} (154) [الأعراف] ، وقال تعالى: {هََذََا بَصََائِرُ لِلنََّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (20) [الجاثية] ، وقال تعالى: {لَقَدْ كََانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبََابِ مََا كََانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ََ وَلََكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (111) [يوسف] ، وقال تعالى: {يََا أَيُّهَا النََّاسُ قَدْ جََاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفََاءٌ لِمََا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (57) [يونس] .
فقوله {هََذََا بَصََائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ} عام مطلق، وقوله: {وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}
خاص بأهل اليقين.
ونظير ذلك قوله: {يََا أَيُّهَا النََّاسُ قَدْ جََاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفََاءٌ لِمََا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (57) .
ونظيره في الخصوص قوله تعالى: {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} ، وقوله {يَهْدِي بِهِ اللََّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوََانَهُ سُبُلَ السَّلََامِ} [المائدة: 16] .
ونظيره أيضا، قوله {هََذََا بَيََانٌ لِلنََّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} (138) [آل عمران] وقد أخبر أنه هدى عام لجميع المكلفين. فقال: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمََا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جََاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى ََ} [النجم: 23] .
فأخبر سبحانه أن القرآن بصائر لجميع الناس، والبصائر جمع بصيرة، وهي فعلية بمعنى مفعلة، أي مبصرة لمن تبصر، ومنه قوله تعالى: {وَآتَيْنََا ثَمُودَ النََّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59] أي مبينة موجبة للتبصر. وفعل الإبصار يستعمل لازما ومتعديا. يقال: أبصرته، بمعنى أريته، وأبصرته، بمعنى رأيته. فمبصرة في الآية: بمعنى مرئية لا بمعنى رائية، والذين ظنوها بمعنى رائية غلطوا في الآية، وتحيروا في معناها.
(1) التبيان (129128) .