الموسيقى المتكلفة، التي هي إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرءوا بها، ويسوغوها ويعلم قطعا أنهم كانوا يقرءون بالتحزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقرآن، ويقرءونه بشجى تارة، وبطرب تارة، وبشوق تارة، وهذا أمر مركوز في الطباع تقاضيه، ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضي الطباع له بل أرشد إليه وندب إليه، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به، وقال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» [1] . وفيه وجهان:
أحدهما: أنه أخبار بالواقع الذي كلنا نفعله، والثاني: أنه نفي لهدى من لم يفعله عن هديه صلّى الله عليه وسلّم وطريقته صلّى الله عليه وسلّم [2] .
وأما بكاؤه صلّى الله عليه وسلّم، فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملا، يسمع لصدره أزيز، وكان بكاؤه تارة رحمه الله للميت، وتارة خوفا على أمته، وشفقة عليها، وتارة من خشية الله، وتارة عند سماع القرآن، وهو بكاء اشتياق، ومحبة، وإجلال، مصاحب للخوف والخشية.
ولما مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه وبكى رحمة له، وقال: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» [3] وبكى لما شاهد إحدى بناته ونفسها تفيض، وبكى لما قرأ عليه ابن مسعود سورة النساء وانتهى فيها إلى قوله تعالى:
{فَكَيْفَ إِذََا جِئْنََا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنََا بِكَ عَلى ََ هََؤُلََاءِ شَهِيدًا} (41) [النساء] [4] [5] .
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتََابَ اللََّهِ} [فاطر: 29] ، وقوله {الَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ الْكِتََابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلََاوَتِهِ أُولََئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ} [البقرة: 121] المعنى: يتبعون كتاب الله حق اتباعه، وقال تعالى: {اتْلُ مََا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتََابِ وَأَقِمِ الصَّلََاةَ} [العنكبوت: 45] ، وقال:
(1) سبق تخريجه ص (450) .
(2) زاد المعاد (1/ 493482) .
(3) البخاري (1303) في الجنائز، باب: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنا بك لمحزونون» ، ومسلم (2315/ 62) في الفضائل، باب: رحمته الصبيان والعيال.
(4) البخاري (4582) في التفسير، باب: {فَكَيْفَ إِذََا جِئْنََا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنََا بِكَ عَلى ََ هََؤُلََاءِ شَهِيدًا} ، ومسلم (800/ 247) في صلاة المسافرين باب: فضل استماع القرآن.
(5) زاد المعاد (1/ 183) .