فهرس الكتاب

الصفحة 460 من 490

وذلك غير جائز.

قالوا: ولا حد لما يجوز من ذلك، وما لا يجوز منه، فإن حد بحد معين، كان تحكما في كتاب الله تعالى ودينه، وإن لم يحد بحد، أفضى إلى أن يطلق لفاعله ترديد الأصوات، وكثرة الترجيعات، والتنويع في أصناف الإيقاعات والألحان المشبهة للغناء، كما يفعل أهل الغناء بالأبيات، وكما يفعله كثير من القراء أمام الجنائز، ويفعله كثير من قراء الأصوات، مما يتضمن تغيير كتاب الله، والغناء به على نحو ألحان الشعر والغناء، ويوقعون الإيقاعات عليه مثل الغناء سواء، اجتراء على الله وكتابه، وتلاعبا بالقرآن، وركونا إلى تزيين الشيطان، ولا يجيز ذلك أحد من علماء الإسلام، ومعلوم: أن التطريب والتلحين ذريعة مفضية إلى هذا إفضاء قريبا، فالمنع منه، كالمنع من الذرائع الموصلة إلى الحرام، فهذا نهاية إقدام الفريقين، ومنتهى احتجاج الطائفتين.

وفصل النزاع أن يقال: التطريب والتغني على وجهين:

أحدهما: ما اقتضته الطبيعة، وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين ولا تعليم، بل إذا خلى وطبعه، واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين، فذلك جائز، إن أعان طبيعته بفضل تزيين وتحسين، كما قال أبو موسى الأشعري للنبي صلّى الله عليه وسلّم: «لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا» [1] ، والحزين ومن هاجه الطرب، والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النفوس تقبله وتستحليه لموافقته الطبع، وعدم التكلف والتصنع فيه فهو مطبوع لا متطبع، وكلف لا متكلف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه، وهو التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به التالي والسامع، وعلى هذا الوجه تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها.

الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، وليس في الطبع السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن، كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة، والمركبة على إيقاعات مخصوصة، وأوزان مخترعة، لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها، وذموها، ومنعوا القراءة بها، وأنكروا على من قرأ بها، وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه، وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبين الصواب من غيره، وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعا أنهم برآء من القراءة بألحان

(1) سبق تخريجه ص (429) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت