فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 490

قلت: ولعل النزاع لفظي، فإن أريد بالشرط الربط المعنوي الحكمي، فالصواب ما قاله

أبو البقاء والزمخشري، وإن أريد بالشرط ما يعمل في الجزءين فليست من أدوات الشرط [1] .

المسألة الثامنة: المشهور أن «لو» إذا دخلت على ثبوتين نفتهما، أو نفيين أثبتتهما، أو نفلي وثبوت، أثبتت المنفي ونفت المثبت، وذلك لأنها تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، وإذا امتنع النفي صار إثباتا فجاءت الأقسام الأربعة، وأورد على هذا أمور.

أحدها: قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ مََا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلََامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مََا نَفِدَتْ كَلِمََاتُ اللََّهِ} ومقتضى ما ذكرتم أن تكون كلمات الله تعالى قد نفدت، وهو محال لان الأول ثبوت وهو كون أشجار الأرض أقلاما والبحار مدادا لكلماته، وهذا منتف، والثاني وهو قوله: {مََا نَفِدَتْ كَلِمََاتُ اللََّهِ} فيلزم أن يكون ثبوتا.

الثاني: قول عمر: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، فعلى ما ذكرتم يكون الخوف ثابتا لأنه منفي، والمعصية كذلك لأنها منفية أيضا.

وقد اختلف أجوبة الناس عن ذلك، فقال أبو الحسن بن عصفور: «لو» في الحديث بمعنى «إن» لمطلق الربط، فلا يكون نفيها إثباتا، ولا إثباتا نفيا، فاندفع الإشكال. وفي هذا الجواب ضعف بين، فإنه لم يقصد في الحديث مطلق الربط كما قال، وإنما قصد ارتباط متضمن لنفي الجزاء ولا سيق الكلام إلا لهذا، ففي الجواب إبطال خاصية «لو» التي فارقت بها سائر أدوات الشرط. وقال غيره: «لو» في اللغة لمطلق الربط، وإنما اشتهرت في العرف في انقلاب ثبوتها نفيا وبالعكس، والحديث إنما ورد بمعنى اللفظ في اللغة حكى هذا الجواب القرافي، وهو أفسد من الذي قبله بكثير، فإن اقتضاء «لو» لنفي الثابت بعدها وإثبات المنفي متلقى من أصل وضعها لا من العرف الحادث، كما أن معاني سائر الحروف من نفي أو تأكيد أو تخصيص أو بيان أو ابتداء أو انتهاء، إنما هو متلقى من الوضع لا من العرف فما قاله ظاهر البطلان.

الجواب الثالث: جواب الشيخ أبي محمد بن عبد السلام وغيره، وهو أن الشيء الواحد قد يكون له سبب واحد فينتفي عند انتفائه، وقد يكون له سببان فلا يلزم من عدم أحدهما عدمه لأن السبب الثاني يخلف السبب الأول كقولنا في زوج: هو ابن عم. لو لم يكن زوجا لورث أي بالتعصيب، فإنهما سببان لا يلزم من عدم أحدهما عدم الآخر. وكذلك الناس هاهنا في الغالب، إنما لم يعصوا لأجل الخوف، فإذا ذهب الخوف عنهم عصوا

(1) انظر مناقشة ذلك في جزء اللغة من الموسوعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت