فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 490

ويلزم أصحاب هذا المذهب ألا ينفع الاستثناء في الإقرار لأن المقر به لا يرفع ثبوته، وفي إجماعهم على صحته دليل على إبطال هذا المذهب، وإنما احتاج الجرجاني إلى ذكر الفرق بين أن يقف أو يصل لأنه إذا وقف عتق العبد ولم ينفعه الاستثناء وإذا وصل لم يعتق، فدل على أن الفرق بين وقوع العتق وعدمه هو السكوت، والوصل هو المؤثر في

الحكم لا تقدم الجزاء وتأخره، فإنه لا تأثير له بحال كما ذكره ابن السراج: أنه إنما يأتي في الضرورة، ليس كما قال فقد جاء في أفصح الكلام وهو كثير جدا، كقوله تعالى:

{وَاشْكُرُوا لِلََّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيََّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172] وقوله: {فَكُلُوا مِمََّا ذُكِرَ اسْمُ اللََّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيََاتِهِ مُؤْمِنِينَ} (118) [الأنعام: 118] وقوله: {قَدْ بَيَّنََّا لَكُمُ الْآيََاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} (118) [آل عمران] وهو كثير، فالصواب المذهب الكوفي، والتقدير إنما يصار إليه عند الضرورة، بحيث لا يتم الكلام إلا به، فإذا كان الكلام تاما بدونه فأي حاجة بنا إلى التقدير؟ وأيضا، فتقديم الجزاء ليس بدون تقديم الخبر والمفعول والحال ونظائرها.

فإن قيل: الشرط له التصدير وصفا، فتقديم الجزاء عليه يخل بتصديره، قلنا هذه هي الشبهة التي منعت القائلين بعدم تقديمه.

وجوابها: إنكم إن عنيتم بالتصدير أنه لا يتقدم معموله عليه، والجزاء معمول له فيمتنع تقديمه فهو نفس المتنازع فيه، فلا يجوز إثبات الشيء بنفسه، وإن عنيتم به أمرا آخر لم يلزم منه امتناع التقديم، ثم نقول: الشرط والجزاء جملتان قد صارتا بأداة الشرط جملة واحدة، وصارت الجملتان بالأداة كأنهما مفردان فأشبها الفردين في باب الابتداء والخبر، فكما لا يمتنع تقديم الخبر على المبتدأ فكذلك تقديم الجزاء، وأيضا فالجزاء هو المقصود والشرط قيد فيه وتابع له، فهو من هذا الوجه رتبته التقديم طبعا، ولهذا كثيرا ما يجيء الشرط متأخرا عن المشروط لأن المشروط هو المقصود وهو الغاية، والشرط وسيلة، فتقديم المشروط هو تقديم الغايات على وسائلها ورتبتها التقديم ذهنا وإن تقدمت الوسيلة وجودا، فكل منهما له التقدم بوجه، وتقدم الغاية أقوى، فإذا وقعت في مرتبتها فأي حاجة إلى أن نقدرها متأخرة؟ وإذا انكشف الصواب فالصواب أن تدور معه حيثما دار.

المسألة السابعة: «لو» يؤتى بها للربط لتعلق ماض بماض، كقولك: لو زرتني لأكرمتك ولهذا لم تجزم إذا دخلت على مضارع، لأن الموضع للماضي لفظا ومعنى، كقولك: لو يزورني زيد لأكرمته فهي في الشرط نظير «إن» في الربط بين الجملتين لا في العمل ولا في الاستقبال، وكان بعض فضلاء المتأخرين وهو تاج الدين الكندي ينكر أن تكون «لو» حرف شرط، وغلّط الزمخشري في عدها في أدوات الشرط. قال الأندلسي في «شرح المفصل» : فحكيت ذلك لشيخنا أبي البقاء، فقال: غلط تاج الدين في هذا التغليظ، فإن «لو» تربط شيئا بشيء كما تفعل إن.

قلت: ولعل النزاع لفظي، فإن أريد بالشرط الربط المعنوي الحكمي، فالصواب ما قاله

أبو البقاء والزمخشري، وإن أريد بالشرط ما يعمل في الجزءين فليست من أدوات الشرط (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت