فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 490

ثم اعتقاد ذلك يؤدي إلى إبطال ما اتفق عليه العقلاء في الإيمان، من افتراق الحكم بين أن يصل الشرط في نطقه، وبين أن يقف ثم يأتي بالشرط، وأنه إذا قال لعبده: أنت حر إن

شاء الله، فوصل، لم يعتق، ولو وقف ثم قال: إن شاء الله، فإنه يعتق.

فإذا سمعت ما قلنا عرفت خلاف المسألة، فالمشهور من مذهب البصريين امتناع تقديم الجزاء على الشرط، هذا كلامه.

قلت: ولم يكن به حاجة في تقرير الدليل إلى الوقف بين الجملة الأولى وجملة الشرط، فالدلالة قائمة ولو وصل، فإنه إذا قال: أنت حر، فهذه جملة خبرية ترتب عليها حكمها عند تمامها، وقوله: إن شاء الله، ليس تعليقا لها عندكم، فإن التعليق إنما يعمل في الجزاء، وهذه ليست بجزاء، وإنما هي خبر محض والجزاء عندكم محذوف. فلما قالوا: إنه لا يعتق، دل على أن المتقدم نفسه جزاء معلق.

هذا تقرير الدلالة ولكن ليس هذا باتفاق، فقد ذهبت طائفة من السلف والخلف إلى أن الشرط إنما يعمل في تعليق الحكم إذا تقدم على الطلاق، فتقول: إن شاء الله فأنت طالق.

فأما إن تقدم الطلاق ثم عقبه بالتعليق فقال: أنت طالق إن شاء الله، طلقت ولا ينفع التعليق، وعلى هذا فلا يبقى فيما ذكر حجة. ولكن هذا المذهب شاذ والأكثرون على خلافه، وهو الصواب، لأنه إما جزاء لفظا ومعنى قد اقتضاه التعليق على قول الكوفيين، إما أن يكون جزاء في المعنى، وهو نائب الجزاء المحذوف ودل عليه، فالحكم تعلق به على التقديرين، والمتكلم إنما بنى كلامه عليه.

وأما قول ابن السراج: إنه قصد الخبر جزما، ثم عقبه بالجزاء. فليس كذلك بل بنى كلامه على الشرط كما لو قال له: عليّ عشرة إلا درهما. فإنه لم يقر بالعشرة ثم أنكر درهما. ولو كان كذلك لم ينفعه الاستثناء. ومن هنا قال بعض الفقهاء: إن الاستثناء لا ينفع في الطلاق لأنه إذا قال: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة، فقد أوقع الثلاثة ثم رفع منها واحدة.

وهذا مذهب باطل فإن الكلام مبني على آخره مرتبط أجزاؤه بعضها ببعض، كارتباط التوابع من الصفات وغيرها بمتبوعاتها، والاستثناء لا يستقل بنفسه فلا يقبل إلا بارتباطه بما قبله، فجرى مجرى الصفة والعطف.

ويلزم أصحاب هذا المذهب ألا ينفع الاستثناء في الإقرار لأن المقر به لا يرفع ثبوته، وفي إجماعهم على صحته دليل على إبطال هذا المذهب، وإنما احتاج الجرجاني إلى ذكر الفرق بين أن يقف أو يصل لأنه إذا وقف عتق العبد ولم ينفعه الاستثناء وإذا وصل لم يعتق، فدل على أن الفرق بين وقوع العتق وعدمه هو السكوت، والوصل هو المؤثر في

الحكم لا تقدم الجزاء وتأخره، فإنه لا تأثير له بحال كما ذكره ابن السراج: أنه إنما يأتي في الضرورة، ليس كما قال فقد جاء في أفصح الكلام وهو كثير جدا، كقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت