الأوهام أن الشجر كلها إذا صارت أقلاما، والبحار المذكورة كلها تكتب به الكلمات الإلهية، فلعل الوهم يقول: ما يكتب بهذا شيء إلا نفد كائنا ما كان، فقطع الله تعالى هذا الربط، ونفى هذا الوهم، وقال: ما نفدت.
قلت: ونظير هذا في الحديث أن زوجته لما توهمت أن ابنة عمه حمزة تحل له، لكونها بنت عمه، فقطع هذا الربط بقوله: إنها لا تحل، وذكر للتحريم سببين: الرضاعة، وكونها ربيبة له. وهذا جواب القرافي، قال: وهو أصلح من الأجوبة المتقدمة من وجهين، أحدهما: شموله للحديث والآية وبعض الأجوبة لا تنطبق على الآية. والثاني: أن ورود «لو» بمعنى «إن» خلاف الظاهر، وما ذكره لا يتضمن خلاف الظاهر.
قلت: وهذا الجواب فيه ما فيه، فإنه إن ادعى أن «لو» وضعت أو جيء بها لقطع الربط فغلط، فإنها حرف من حروف الشرط التي مضمونها ربط السبب بمسببه والملزوم بلازمه، ولم يؤت بها لقطع هذا الارتباط، ولا وضعت له أصلا فلا يفسر الحرف بضد موضوعه.
ونظير هذا قول من يقول: إن «إلا» قد تكون بمعنى الواو، وهذا فاسد، فإن الواو للتشريك والجمع، و «إلا» للإخراج وقطع التشريك، ونظائر ذلك. وإن أراد أن قطع الربط الموهم مقصود للمتكلم من أدلة، فهذا حق، ولكن لم ينشأ هذا من حرف «لو» ، وإنما جاء من خصوصية ما صحبها من الكلام المتضمن لنفي ما توهمه القائل أو ادعاه، ولم يأت من قبل «لو» فهذا كلام هؤلاء الفضلاء في هذه المسألة، وإنما جاء الإشكال سؤالا وجوابا من عدم الإحاطة بمعنى الحرف ومقتضاه وحقيقته، وأنا أذكر حقيقة هذا الحرف ليتبين سر المسألة بعون الله.
فاعلم أن «لو» حرف وضع للملازمة بين أمرين يدل على أن الحرف الأول منهما ملزوم، والثاني لازم هذا وضع هذا الحرف وطبيعته وموارده في هذه الملازمة أربعة، فإنه ما أن يلازم بين نفيين أو ثبوتين، أو بين ملزوم مثبت ولازم منفي أو عكسه ونعني بالثبوت والنفي هنا الصوري اللفظي لا المعنوي.
فمثال الأول: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزََائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفََاقِ} [الإسراء:
100] {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جََاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللََّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللََّهَ تَوََّابًا رَحِيمًا} (64) [النساء: 64] {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مََا يُوعَظُونَ بِهِ لَكََانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا}
[النساء] ونظائره.
ومثال الثاني: لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي، ولو لم يخف الله لم يعصه.