بسم الله الرحمن الرحيم يقبّل الأرض التي قامت حدود مكارمها، وقطعت عنّا مكروه الفقر بمسنون عزائمها،
وينهي وصول السكين التي قطع المملوك بها أوصال الجفاء، وأضافها إلى الأدوية فحصل بها البرء والشفاء، وتالله ما غابت إلا وبلغت الأقلام من تعثيرها إلى الجفاء، زرقاء وكم شاهدت البيض منها ألوان، خرساء ومن العجب أنها لسان لكل عنوان [1] ، ما شاهدها موسى إلا سجد في محراب النصاب، وذل بعد ما خضعت له الرؤوس والرقاب، كم أيقظت طرف القلم بعد ما خطّ، وعلى الحقيقة ما رئي مثلها قط. وكم وجد بها الصاحب في المضايق نفعا، وحكم بحسن صحبتها قطعا، ماضية العزم قاطعة ألسن فيها حدة الشباب من وجهين، لأنها بالناب والنصاب معلمة من الطرفين. أنملة الصبح تقمعت بسواد الدجى، فعوّذتها بالضحى والليل إذا سجى، ولسان برق امتدّ في لهوات الليل، فتنكرت أشعة الأنجم حتى ما عرف منها سهيل. هذا وتقطيعها موزون إذ لم تتجاوز في عروض ضربها الحدّ، ومعلوم أن السيف والرمح لم يعرفا غير الجزر والمدّ: [من الرجز]
من أجلنا تدخل في مضايق ... ليس لسيف قطّ فيها مدخل
وكلما تفعله توجزه ... والرمح في تعقيده يطوّل
إن هجعت بجفنها كانت أمضى من الطيف، وكم لها من خاصة جازت بها الحد على السيف، تنسي حلاوة العسّال فلا يظهر لطوله طائل، وتغني عن آلة الحرب بإيقاع ضربها الداخل، إن مرّت بشكلها المحلي تركت المعادن عاطله، ولم تسمع للحديد في هذه الواقعة مجادله، شهد الرمح بعدالته أنها أقرب منه إلى الصواب، وحكم بصحة ذلك من قبل أن يتكمل لها النصاب. ما طال في رأس القلم شعرة إلا سرّحتها بإحسان، ولا طالعت كتابا إلا أزالت غلطه بالكشط من رأس اللسان. تعقد عليها الخناصر لأنها عدّة وعدّه، وتالله ما وقعت في قبضة إلا أطالت لسانها وكلّمت بحدّه، إن أدخلت إلى القراب كانت قد سبكت على الدخول، أو أبرزت من غيمه كان على طلعتها الهلالية قبول، تطرف بأشعتها الباهرة عين الشمس، وبإقامتها الحد حافظت الأقلام على مواظبة الخمس، وكم لها من عجائب تركت جدول السيف في بحر الغمد وهو غريق، ولو سمع بها من قبل ضربه ما حمل
(1) عنوان: ها: عوان.