واتجاهها إلى الغاية المشتركة في الهدف البعيد، فمن دلائل التوفيق لها، وهى تجمع الكلمة، وتأخذ الأهبة أن تذكر أمسها في يومها، وتأخذ من ماضيها لحاضرها، وأن تمضى في هذه السبيل قدما إن شاء الله.
لقد بعث الله الشيخ الفارسى في هذا البحث العتيد، ورده علينا بعد ألف عام خلقا سويا، نراه في شخصه ونفسه، وفى عواطفه وحسه، وفى هواه ورشده، وفى آرائه وعقيدته، وفى تفكيره وفلسفته، وفى بيئته وعصره، وفى الينابيع التى استقى منها، والإضافات التى أضافها، وفى مدى ما انتفع المخالفون به، وأفادوا منه.
وهذه آثاره في القراءات والنحو قد أحصيت، وحقق عددها، وعينت أماكن وجودها، وأوتى كل منها حقه من الغرض، والدرس، والتحليل، والنقد في أناة وحكمة وإنصاف.
وعجيب حقا أن يكون ذلك كله على رأس الألف الثانية لوفاته (رحمة الله عليه) ، فهل ترى الأقدار كما قال الدكتور عبد الفتاح شلبى في تلخيص الرسالة، قد تولت عنا تكريمه، فحددت لنا موعده، وندبت منا له، على نحو ما يفعل الناس في إحياء ذكرى العظماء الخالدين؟
وظاهرة أخرى قد تكون من ظواهر تكريم الأقدار للفارسى، وتهيئة الأسباب المواتية لجعل بعثه كاملا: أنها جعلت ثقافته متصلة متشابكة، لا تخرج عن حيّز اللغة والنحو، ولا تبعد منهما شيئا ليدرسه الباحث جملة واحدة، وعلى منهج واحد، فيفيد من جانب لجانب، ويأخذ من هذا لذاك. فما أظن أن باحثا صبورا مقتدرا يتصدى لدراسة الفارسى فيأخذ أثره في النحو أو القراءات، ويدع الآخر لباحث غيره لأنه في أحد الأثرين لا بد ملم بالأثر الآخر وقائل فيه، وإلا كان درسه مشطورا أو مبتورا لأن الفارسى (رحمه الله) لم يعمل للقراءات من ناحية الرواية والسند، ولكن من ناحية الاستدلال والاحتجاج، وكان معوّله طبعا في هذا وذاك على النحو وبحوثه، واللغة ونصوصها.
وبعد، فإن لى في هذا المقام أمنيتين: عامة، وخاصة، فأما العامة: فأن تتوالى أمثال هذه البحوث القيمة، نحيى بها مجد سلفنا العظيم، ففي ذلك مدد متصل النهضة، وإضافة ثمينة إلى الثقافة، وفخر صادق لنا واعتزاز. ولا بأس أن تدور كلها أو معظمها أول الأمر على أعلام الدولة في البلاد الشرقية، ثم تدور بعد ذلك