حتى إذا تضلع منه ريا وأدرك أربا، انصرف إليه يمحصه، ويقلب النظر فيه، وإنه خلال هذا وذاك ليضيف إليه ويستخلص منه ما شاء الله أن يضيف ويستخلص، ولما أن رضى عنه واطمأن إليه، خرج به على الناس علما منظما، وعملا مقدما، وأثرا جديدا أو أشبه بالجديد من كل مقتبس أو منقول. وقد أعجب الناس بحجة الفارسى وبراعته في التأليف، كما أعجبوا من قبل بكتاب سيبويه وبراعته كذلك في التأليف إذ رأوا الحجة في بابها كالكتاب في بابه: فالحجة تدعم القراءات وتحتج لها، وتنفى الشّبه عنها بما فيها من النصوص الشاهدة، والبحوث البارعة، والأدلة الناصعة. والكتاب يكفل للناس عصمة الألسنة أن تجرى بلحن أو تحريف في تلاوة كلام الله بما يرفع للنحو من قواعد، ويؤصل من أصول ويفرع من فروع، ويقرر من مسائل.
وإذا لقد بذل كلاهما للدين من نفسه، وخدمه جاهدا بعلمه، وأدرك من دنياه الغاية التى كان يجمع عليها سلف هذه الأمة الكريمة في علم ما يعلمون: أن يجعلوه قربى إلى الله، ووسيلة يخدمون بها دينه الحنيف في ناحية من نواحيه.
ولم يكن الفارسى قبل اليوم معروفا على مقدار ما تستوجبه مكانته العالية وآثاره الباقية، وما يقتضيه البر به والإنصاف له وحسن الاعتراف بفضله، فما كان الرجل فيما أعلم إلا أشتاتا من الآراء المرددة، والأنباء المرسلة، والترجمات المقتضبة، وما كانت كتبه كذلك إلا مجرد أسماء نقرؤها في كتب التراجم والفهارس، ثم لا نكاد نعرف منها أو نعرف عنها إلا اليسير.
وما كان منتظرا في عهد الركود والجمود أن يكون حظ الفارسى خيرا من هذا الحظ، ولا أن يكون نصيبه من الدرس والبحث غير هذا النصيب من الإغفال والإهمال، فقد كان الرجل في جلالة بحوثه، وعمق فلسفته أبعد منالا، وأعسر متناولا من أن يستشرفه أو يتطاول إليه باحث أو ناشر إلا في عهد توثب ونهوض.
فلهذا نرى الدكتور عبد الفتاح شلبى دون غيره يختص به، وينبعث في طلبه، وفى هذا العصر على التعيين، ولا أرى أن هذا وذاك لمجرد المصادفة والاتفاق، ولكنه في الواقع للمناسبة المواتية بين الفارسى وصاحبه، ثم بين الفارسى والوقت الذى قدر له أن يبعث فيه: فالدكتور عبد الفتاح شلبى باحث جلد، متمكن في دراسته جم النشاط، وافر الإخلاص. والعهد عهد القومية العربية في تجمعها ونهوضها